و في آية النساء المنقولة آنفا إشعار بأن سؤالهم الرؤية كان مربوطا بنزول الكتاب وأن اتخاذ العجل كان بعد ذلك فكأنهم حضروا الميقات لنزول التوراة ، وأنهم إنما سألوا الرؤية ليكونوا على يقين من كونها كتابا سماويا نازلا من عند الله ، ويؤيد ذلك أن الظاهر أن هؤلاء المختارين كانوا مؤمنين بأصل دعوة موسى ، وإنما أرادوا بقولهم:"لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة"تعليق إيمانهم به من جهة نزول التوراة عليه على الرؤية.
وبهذا كله يتأيد أن هذه القصة جزء من قصة الميقات ونزول التوراة ، وأن موسى (عليه السلام) لما أراد الحضور لميقات ربه ونزول التوراة اختار هؤلاء السبعين فذهبوا معه إلى الطور ولم يقنعوا بتكليم الله كليمه ، وسألوا الرؤية فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم الله بدعوة موسى ، ثم كلم الله موسى وسأل الرؤية وكان ما كان ، ومما كان اتخاذ بني إسرائيل العجل بعد غيبتهم وذهابهم لميقات الله ، وقد وقع هذا المعنى في بعض الأخبار المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كما سيجيء إن شاء الله.
وعلى أي حال العناية في هذه القصة ببيان ظلمهم ونزول العذاب عليهم ودعاء موسى لهم لا بيان كون هذه القصة جزءا من القصة السابقة لو كان جزءا ، ولا مغايرتها لها لو كانت مغايرة فلا دلالة في اللفظ تنبه على شيء من ذلك.
وما قيل: إن ظاهر الحال أن تكون هذه القصة مغايرة للمتقدمة إذ لا يليق بالفصاحة ذكر بعض القصة ثم النقل إلى أخرى ثم الرجوع إلى الأولى فإنه اضطراب يصان عند كلامه.
على أنه لو كانت الرجفة بسبب سؤال الرؤية لقيل: أ تهلكنا بما قال السفهاء منا لا بما فعل ، ولم يذكر هاهنا أنهم قالوا شيئا ، وليس من المعلوم أن يكون قولهم"أرنا الله جهرة"صدر منهم هاهنا بل الحق أنها قصص ثلاث: قصة سؤالهم الرؤية ونزول الصاعقة ، وقصة ميقات موسى وصعقته ، وقصة ميقات السبعين وأخذ الرجفة ، وسنوردها في البحث الروائي التالي إن شاء الله.
ولذلك ذكر بعضهم أن هذا الميقات غير الميقات الأول ، وذلك أنهم لما عبدوا العجل أمر الله موسى أن يأتي في أناس منهم إلى الطور فيعتذروا من عبادة العجل فاختار منهم سبعين فأتوا الطور فقالوا ما قالوا فأخذتهم رجفة في أبدانهم كادت تهلكهم ثم انكشفت عنهم بدعاء موسى.
وذكر بعض آخر أن هارون لما مات اتهم بنو إسرائيل موسى في أمره ، وقالوا له: أنت حسدته فينا فقتلته ، وأصروا على ذلك فاختار منهم سبعين وفيهم ابن هارون فأتوا قبره فكلمه موسى فبرأه هارون من قتله فقالوا: ما نقضي يا موسى ادع لنا ربك يجعلنا أنبياء فأخذتهم الرجفة فصعقوا.
وذكر آخرون أن بني إسرائيل سألوا موسى الرؤية فاختار منهم السبعين فجاءوا إلى الطور فقالوا ما قالوا وأخذتهم الرجفة فهلكوا ثم أحياهم الله بدعاء موسى إلا أنها قصة مستقلة ليست بجزء من قصة موسى.
وأنت خبير بأن شيئا من هذه الأقوال وبالخصوص القولان الأولان لا دليل عليه من لفظ القرآن ، ولا يؤيده أثر معتبر ، وتقطيع القصة الواحدة إلى قصص متعددة ، والانتقال من حديث إلى آخر لتعلق عناية بذلك غير عزيز في القرآن الكريم ، وليس القرآن كتاب قصة حتى يعاب بالانتقال عن قصة قبل تمامها ، وإنما هو كتاب هداية ودلالة وحكمة يأخذ من القصص ما يهمه.
وأما قوله:"بما فعل السفهاء"وقد كان الصادر منهم قولا لا فعلا فالوجه في ذلك أن المؤاخذة إنما هو على المعصية ، والمعصية تعد عملا وفعلا وإن كانت من قبيل الأقوال كما قال تعالى:"إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم: 7 ، فإنه شامل لقول كلمة الكفر والكذب والافتراء ونحو ذلك بلا ريب ، والظاهر أنهم عذبوا بما كان يستلزمه قولهم من سوء الأدب والعناد والاستهانة بمقام ربهم.
على أن ظاهر تلك الأقوال جميعا أنهم إنما عذبوا بالرجفة قبال ما قالوه دون ما فعلوه فالإشكال على تقدير وروده مشترك بين جميع الأقوال فالأقرب كون القصة جزءا من سابقتها كما تقدم.