و لكنه يفارق سائر الكلام في أمر آخر ، وهو أنا معاشر المتكلمين من البليغ وغيره إنما نبني الكلام على أساس ما نعقله من المعاني ، والمدرك لنا من المعاني إنما يدرك بفهم مكتسب من الحياة الاجتماعية التي اختلقناها بفطرتنا الإنسانية الاجتماعية ، ومن شأنها الحكم بالقياس ، وعند ذلك ينفتح باب المسامحة والمساهلة على أذهاننا فنأخذ الكثير مكان الجميع ، والغالب موضع الدائم ، ونفرض كل أمر قياسي أمرا مطلقا ، ونلحق كل نادر بالمعدوم ، ونجري كل أمر يسير مجرى ما ليس بموجود يقول قائلنا: كذا حسن أو قبيح ، وكذا محبوب أو مبغوض ، وكذا محمود أو مذموم ، وكذا نافع أو ضار ، وفلان خير أو شرير ، إلى غير ذلك فنطلق القوم في ذلك ، وإنما هو كذلك في بعض حالاته وعلى بعض التقادير ، وعند بعض الناس ، وبالقياس إلى بعض الأشياء لا مطلقا ، لكن القائل إنما يلحق بعض التقادير المخالفة بالعدم تسامحا في إدراكه وحكمه ، هذا فيما أدركه من جهات الواقع الخارج ، وأما ما يغفل عنه لمحدودية إدراكه من جهات الكون المربوطة فهو أكثر ، فما يخبر به الإنسان ويحدثه عن الخارج وخيلت له الإحاطة بالواقع إدراكا وكشفا فإنما هو مبني على التسامح في بعض الجهات ، والجهل في بعض آخر ، وهو من الهزل إن قدرنا على أن نحيط بالواقع ثم نطبق كلامه عليه ، فافهم ذلك.
فهذا حال كلام الإنسان المبني على ما يحصل عنده من العلم ، وأما كلام الله سبحانه فمن الواجب أن نجله عن هذه النقيصة ، وهو المحيط بكل شيء علما وقد قال تعالى في صفة كلامه:"إنه لقول فصل وما هو بالهزل".
وهذا من وجوه الأخذ بإطلاق كلامه تعالى فيما كان بظاهره مطلقا لم يعقب بقيد متصل أو منفصل ، ومن وجوه إشعار الوصف في كلامه بالعلية فإذا قال:"يحبهم"فليس يبغضهم في شيء وإلا لاستثنى ، وإذا وصف قوما بأنهم أذلة على المؤمنين كان من الواجب أن يكونوا أذلاء لهم بما هم مؤمنون أي لصفة إيمانهم بالله سبحانه ، وأن يكونوا أذلاء في جميع أحوالهم وعلى جميع التقادير ، وإلا لم يكن القول فصلا.
نعم هناك معان تنسب إلى غير صاحبها إذا جمعها جامع يصحح ذلك كما في قوله:"و لقد ءاتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين": الجاثية: 16 ، وقوله:"هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج": الحج: 78 ، وقوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر": آل عمران: 101 ، وقوله:"لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا": البقرة: 134 ، وقوله:"و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرءان مهجورا": الفرقان: 30 إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على أوصاف اجتماعية يتصف بها الفرد والمجتمع وليس شيء من ذلك جاريا مجرى التسامح والتساهل بل هي أوصاف يتصف بها الجزء والكل ، والفرد والمجتمع لعناية متعلقه بذلك كمثل حفنة من تراب مشتملة على جوهرة يقبض عليها لأجل الجوهرة فالتراب مقبوض والجوهرة مقبوضة والأصل في ذلك الجوهرة ، ولنرجع إلى ما كنا فيه: أما قوله:"يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه"فالمراد بالارتداد والرجوع عن الدين بناء على ما مر هو موالاة اليهود والنصارى ، وخص الخطاب فيه بالمؤمنين لكون الخطاب السابق أيضا متوجها إليهم ، والمقام مقام بيان أن الدين الحق في غنى عن إيمانهم المشوب بموالاة أعداء الله ، وقد عده الله سبحانه كفرا وشركا حيث قال:"و من يتولهم منكم فإنه منهم"لما أن الله سبحانه هو ولي دينه وناصره ، ومن نصرته لدينه أنه سوف يأتي بقوم براء من أعدائه يتولون أولياءه ولا يحبون إلا إياه.
وأما قوله:"فسوف يأتي الله بقوم"نسب الإتيان إلى نفسه ليقرر معنى نصره لدينه المفهوم من السياق المشعر بأن لهذا الدين ناصرا لا يحتاج معه إلى نصرة غيره ، وهو الله عز اسمه.