فهرس الكتاب

الصفحة 1113 من 4314

و كون الكلام مسوقا لبيان انتصار الدين بهؤلاء القوم تجاه من يقصده هؤلاء الموالون لأعدائه من الانتصار القومي ، وكذا التعبير بالقوم والإتيان بالأوصاف والأفعال بصيغة الجمع كل ذلك مشعر بأن القوم الموعود إيتاؤهم إنما يبعثون جماعة مجتمعين لا فرادى ولا مثنى كان يأتي الله سبحانه في كل زمان برجل يحب الله ويحبه الله ذليل على المؤمنين عزيز على الكافرين يجاهد في سبيل الله لا يخاف لومة لائم.

وإتيان هذه القوم في عين أنه منسوب إليهم منسوب إليه تعالى وهو الآتي بهم لا بمعنى أنه خالقهم إذ لا خالق إلا الله سبحانه قال:"الله خالق كل شيء": الزمر: 62 بل بمعنى أنه الباعث لهم فيما ينتهزون إليه من نصرة الدين ، والمكرم لهم بحبه لهم وحبهم له ، والموفق لهم بالتذلل لأوليائه ، والتعزز لأعدائه ، والجهاد في سبيله ، والإعراض عن كل لائمة ، فنصرتهم للدين هي نصرته تعالى له بسببهم ومن طريقهم ، وقريب الزمان وبعيده عند الله واحد ، وإن كانت أنظارنا لقصورها تفرق في ذلك.

وأما قوله تعالى:"يحبهم ويحبونه"فالحب مطلق معلق على الذات من غير تقييده بوصف أو غير ذلك ، أما حبهم لله فلازمه إيثارهم ربهم على كل شيء سواه مما يتعلق به نفس الإنسان من مال أو جاه أو عشيرة أو غيرها ، فهؤلاء لا يوالون أحدا من أعداء الله سبحانه ، وإن والوا أحدا فإنما يوالون أولياء الله بولاية الله تعالى.

وأما حبه تعالى لهم فلازمه براءتهم من كل ظلم ، وطهارتهم من كل قذارة معنوية من الكفر والفسق بعصمة أو مغفرة إلهية عن توبة ، وذلك أن جمل المظالم والمعاصي غير محبوبة لله كما قال تعالى:"فإن الله لا يحب الكافرين": آل عمران: 32 وقال:"و الله لا يحب الظالمين": آل عمران: 57 وقال:"إنه لا يحب المسرفين": الأنعام: 41 وقال:"و الله لا يحب المفسدين": المائدة: 64 وقال:"إن الله لا يحب المعتدين": البقرة: 109 وقال:"إنه لا يحب المستكبرين": النحل: 23 وقال:"إن الله لا يحب الخائنين": الأنفال: 58 إلى غير ذلك من الآيات.

وفي هذه الآيات جماع الرذائل الإنسانية ، وإذا ارتفعت عن إنسان بشهادة محبة الله له اتصف بما يقابلها من الفضائل لأن الإنسان لا مخلص له عن أحد طرفي الفضيلة والرذيلة إذا تخلق بخلق.

فهؤلاء هم المؤمنون بالله حقا غير مشوب إيمانهم بظلم وقد قال تعالى:"الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82 فهم مأمونون من الضلال وقد قال تعالى:"فإن الله لا يهدي من يضل": النحل: 37 فهم في أمن إلهي من كل ضلالة ، وعلى اهتداء إلهي إلى صراطه المستقيم ، وهم بإيمانهم الذي صدقهم الله فيه مهديون إلى اتباع الرسول والتسليم التام له كتسليمهم لله سبحانه قال تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما": النساء: 65.

وعند ذلك يتم أنهم من مصاديق قوله تعالى:"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله": آل عمران: 31 وبه يظهر أن اتباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومحبة الله متلازمان فمن اتبع النبي أحبه الله ولا يحب الله عبدا إلا إذا كان متبعا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وإذا اتبعوا الرسول اتصفوا بكل حسنة يحبها الله ويرضاها كالتقوى والعدل والإحسان والصبر والثبات والتوكل والتوبة والتطهر وغير ذلك قال تعالى:"فإن الله يحب المتقين": آل عمران: 76 وقال:"إن الله يحب المحسنين": البقرة: 159 وقال:"و الله يحب الصابرين": آل عمران: 164 وقال:"إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص": الصف: 4 وقال:"إن الله يحب المتوكلين": آل عمران: 195 وقال:"إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين": البقرة: 222 إلى غير ذلك من الآيات.

وإذا تتبعت الآيات الشارحة لآثار هذه الأوصاف وفضائل تتعقبها عثرت على أمور جمة من الخصال الحسنة ، ووجدت أن جميعها تنتهي إلى أن أصحابها هم الوارثون الذين يرثون الأرض ، وأن لهم عاقبة الدار كما يومىء إليه الآية المبحوث عنها:"يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه"وقد قال تعالى - وهي كلمة جامعة -:"و العاقبة للتقوى": طه: 123 وسنشرع معنى كون العاقبة للتقوى فيما يناسبه من المورد إن شاء الله العزيز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت