و من جهة أخرى نجد أن ما ذكر في الآية من الأوصاف أمور لا تخلو من الارتباط بما ذكر في الآيات السابقة من تولي اليهود والنصارى فإن اتخاذهم أولياء من دون المؤمنين لا يخلو من تعلق القلب بهم تعلق المحبة والمودة ، وكيف يحتوي قلب هذا شأنه على محبة الله سبحانه وقد قال تعالى:"ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه": الأحزاب: 4 ومن لوازم هذا التولي أن يتذلل المؤمن لهؤلاء الكفار ، وأن يتعزز على المؤمنين ويترفع عنهم كما قال تعالى:"أ يبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا": النساء: 193.
ومن لوازم هذا التولي المساهلة في الجهاد عليهم والانقباض عن مقاتلتهم ، والتحرج من الصبر على كل حرمان ، والتحمل لكل لائمة في قطع الروابط الاجتماعية معهم كما قال تعالى:"يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق - إلى أن قال - إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة": الممتحنة: 1 وقال تعالى:"قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده": الممتحنة: 4.
وكذلك الارتداد بمعناه اللغوي أو بالعناية التحليلية صادق على تولي الكفار كما قال تعالى في الآية السابقة آية: 51:"و من يتولهم منكم فإنه منهم"وقال أيضا:"و من يفعل ذلك فليس من الله في شيء": آل عمران: 28 وقال تعالى:"إنكم إذا مثلهم": النساء: 104.
فقد تبين بهذا البيان أن للآية اتصالا بما قبلها من الآيات وأن الآية مسوقة لإظهار أن دين الله في غنى عن أولئك الذين يخاف عليهم الوقوع في ورطة المخالفة وتولي اليهود والنصارى لدبيب النفاق في جماعتهم ، واشتمالها على عدة مرضى القلوب لا يبالون باشتراء الدنيا بالدين ، وإيثار ما عند أعداء الدين من العزة الكاذبة والمكانة الحيوية الفانية على حقيقة العزة التي هي لله ولرسوله وللمؤمنين ، والسعادة الواقعية الشاملة على حياة الدنيا والآخرة.
وإنما أظهرت الآية ذلك بالإنباء عن ملحمة غيبية أن الله سبحانه في قبال ما يلقاه الدين من تلون هؤلاء الضعفاء الإيمان ، واختيارهم محبة غير الله على محبته ، وابتغاء العزة عند أعدائه ومساهلتهم في الجهاد في سبيله ، والخوف من كل لومة وتوبيخ سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم.
وكثير من المفسرين وإن تنبهوا على اشتمال الآية على الملحمة وأطالوا في البحث عمن تنطبق عليه الآية مصداقا غير أنهم تساهلوا في تفسير مفرداتها فلم يعطوا ما ذكر فيها من الأوصاف حق معناها فآل الأمر إلى معاملتهم كلام الله سبحانه معاملة كلام غيره وتجويز وقوع المسامحات والمساهلات العرفية فيه كما في غيره.
فالقرآن وإن لم يسلك في بلاغته مسلكا بدعا ، ولم يتخذ نهجا مخترعا جديدا في استعمال الألفاظ وتركيب الجمل ووضع الكلمات بحذاء معانيها بل جرى في ذلك مجرى غيره من الكلام.