فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 115

-الوجه الثالث: تأويل الرحمة بإرادة الرضى أو الثواب بحجة أنَّ هذا تنزيهٌ لله تعالى عن مشابهة المخلوق!! ترِد عليه عدة إيرادات:

-الإيراد الأول: أنَّ الإرادةَ أيضًا يَرِدُ عليها مثلُ ما ذكروا في الرحمة! فيقال لهم: إنَّ الإرادة - وهي ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة - الربُّ عزَّ وجلَّ لا يليق به ذلك - مجاراة لهم على قاعدتهم -!!

فإذا قالوا: هذه إرادةُ المخلوق الضعيف المحتاج! فإنه يُجاب بمثله في الرحمة، وذلك أنَّ الرحمةَ المُستلزمةَ للنقص هي رحمةُ المخلوق الضعيف!!

-الإيراد الثاني: تأويل الرحمة بما سبق من إرادة الثواب أو الرضى! مخالف لِمَا جاء عن السلف، فلو كان حقًا لذكروه وما غفلوا عنه كما يدعي المؤولون، حيث يقولون بأنَّ عامة المسلمين - وفيهم السلف - غافلون عن هذا المعنى الذي يعد عندهم منكرًا!!

والصواب الذي لا ريب فيه: أنَّ مَنْ كان على مثْل ما عليه أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم فهو على الهدي المستقيم، قال تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيْكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيْعُ العَلِيْمُ} (البقرة:137) ، وهم أنفسهم مَنْ أمرَ اللهُ تعالى باتباعهم في قوله تعالى {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، كما قال الشيخ العلَّامة صديق حسن خان القنوجي رحمه الله: (وفيه الإشارة إلى الاقتداء بالسلف الصالح) . (1)

قال عمرُ بن عبد العزيز رحمه الله - جوابًا لِمَن سأله عن القدر:(فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا، وَلَهُمْ عَلَى كَشْفِ الأُمُوْرِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلِ مَا كَانُوا فِيْهِ أَوْلَى.

فَإِنْ كَانَ الهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ؟! لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ إِلَيْهِ، وَلَئِنْ قُلْتُمْ إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ! مَا أَحْدَثَهُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيْلِهِمْ وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ السَّابِقُوْنَ، فَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيْهِ بِمَا يَكْفِي، وَوَصَفُوا مِنْهُ مَا يَشْفِي). (2)

-الإيراد الثالث: دعوى أنَّ العقل دلَّ على صفة الإرادة ولم يدل على صفة الرحمة! فيه مجازفةٌ، وذلك لأنه وإنْ كان تَنَوُّعُ المخلوقات يدل على أنَّ خالقَها مريدٌ لهذا التنوع؛ فأوضح منه: ما قام في الفِطَر ونفوس الناس من حصول النِّعَم، واندفاع النِّقَم، وانتشار الخير، وتفريج الكربات، ونزول الغيث، وغير ذلك مما فيه بيانُ رحمةِ من أجرى تلك الأمور، وهو الذي تراه يجري على لسان العامة منهم فضلًا عن الخاصة.

وفي شعر امرئ القيس: (تِلْكَ السَّحَابُ إِذَا الرَّحْمَنُ أَنْشَأَهَا ... رَوَّى بِهَا مِنْ مَحُوْلِ الأَرْضِ أَنْفَاسًا) . (3)

-الإيراد الرابع: أنَّ الرحمةَ مغايرةٌ للثواب أو الرضى أو الفضل! فالله تعالى وسعت رحمتُه كلَّ شيء، وبها يرحم الكافرَ في الدنيا، ولكنه لا يثيبُه ولا يرضى عنه - كما هو معلوم قطعًا -.

وفي الحديث (جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مَائَةَ جُزْءٍ، فَأمسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِيْنَ، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِن ذَلِكَ الجُزْءِ تَتَراحَمُ الخَلَائِقُ؛ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيْبَهُ) . (4)

وكقوله تعالى {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُوْنَ} (يونس:58) ، ففرَّق اللهُ تعالى بين الرحمة والفضل أيضًا، مما يدل على المغايرة.

ولا بد من التنويه إلى أنَّ رحمة الله تعالى هي صفةٌ من صفاته غيرُ مخلوقة؛ وأنَّ ما نشاهده من الخير واندفاع النِّقم وحصول النِّعم هي آثار رحمة الله، فنزول المطر ونبات الأرض وغير ذلك هي أشياء مخلوقة؛ حصلت بسبب رحمة الله التي هي صفة من صفاته، فالعرب تطلق اسمَ ما تولَّد من الشيء على الشيء، كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِيْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيْرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُوْنَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِيْنَ، فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ} (الروم:50) ، فتأملْ كيف أنَّ الله تعالى وصف المطر بأنَّه أثر رحمة الله.

وبمعنى آخر؛ فإنَّ العربَ تُطْلِقُ الصفةَ على المفعول، كقولك عن المقدور: هذه قدرةُ الله، وكقولك عن إهلاك الله تعالى للأمم الكافرة: هذه حكمةُ الله، وكقولك عن المولود - الذكر أو الأنثى: هذه إرادةُ الله، وكقولك عن المطر: هذه رحمةُ الله، وكما قال تعالى - في حق الخلق: {هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُوْنِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِيْنَ مِنْ دُوْنِهِ بَلِ الظَّالِمُوْنَ فِي ضَلَالٍ مُبِيْنٍ} (لقمان:11) وذلك بعد قوله {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيْدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيْهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيْهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيْمٍ} (لقمان:10) ، فالمخلوق المفعول عُبِّرَ عنه بالصفة - وهي الخلق هنا -، فهل يقال: إنَّ الله تعالى لا يخلق؟! إلَّا أنَّ المعتزلة والجهمية - لضلالهم في هذا الباب - فإنهم يجعلون فعلَ الله تعالى مخلوقًا أصلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت