وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية عند كتابة الصلح (فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ) . (7)
وقد تكون البسملة متعلقة بقَسَمٍ محذوف متأخر، والتقدير أنَّ الله تعالى يقسم بنفسه سبحانه على الحق الذي في هذه السورة المتلوة.
(قال العلماء:(بسم الله الرحمن الرحيم) قَسَمٌ من ربنا أنزله عند رأس كل سورة، يُقسِم لعباده: إنَّ هذا الذي وضعتُ لكم يا عبادي في هذه السورة حقٌ، وإني أوفي لكم بجميع ما ضمنتُ في هذه السورة من وعدي ولطفي وبِرِّي). (8)
إلَّا أنَّه (قال الأخفش: زيدت - اسم - ليخرج بذكرها مِنْ حُكْم القَسَم إلى قصد التبرك، لأنَّ أصل الكلام: بالله) (9) ، وهذا يرجح الوجهَ الأول. والله أعلم.
- (بسم الله) : تكتب بغير ألف؛ استغناءً عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط لكثرة الاستعمال، بخلاف قوله: (اقرأ باسم ربك) فإنها تحذف لقلة الاستعمال). (10)
وقال أبو حيان النحوي: (وحُذفت الألفُ من(بسم الله) في الخط اختصارًا وتخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وأمَّا إذا كتب: (باسم الرحمن) و (باسم القاهر) فقال الكسائي والأخفش: (تحذف الألف) ، وقال الفراء: (لا تحذف إلاَّ مع(بسم الله الرحمن الرحيم) لأنّ الاستعمالَ إنما كَثُرَ فيه، فأمّا في غيره من أسماء الله تعالى فلا خلاف في ثبوت الألف). (11)
- (الاسم) : مشتق من أحد شيئين:
1)من السُّموِّ، وهو العلوّ والرفعة، فصاحبه بمنزلة المرتفع به.
2)من السِّمَة وهي العَلَامَةُ، لأنَّ الاسمَ علامةٌ لِمَنْ وُضِعَ له، فأصل (اسم) على هذا (وَسْم) .
والأول أصح، لأنه يقال في التصغير (سُمَيٌّ) وفي الجمع (أسماء) ، ولا يقال: (وسيم) ولا (أوسام) ! والجمع والتصغير يرُدَّان الأشياء إلى أصولها. (12)
-أمَّا حديث (إنّ عيسى ابنَ مريم أسلَمَتْهُ أمُّه إلى الكُتَّاب ليعلِّمه، فقال له المعلم: اكتب(بسم) فقال له عيسى: وما (بسم) ؟ فقال له المعلم: ما أدري! فقال عيسى: الباء: بهاءُ الله، والسين: سناؤه، والميم: مملكته ... ) فهو حديث موضوع؛ لا أصل له (13) ، وفي إسناده (إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي) كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات؛ وما لا أصل له عن الأثبات، ولا تحل الرواية عنه ولا الاحتجاج به بحال. (14)
(1) البرهان في علوم القرآن (3/ 387) للزركشي رحمه الله.
(2) تفسير البغوي (3/ 236) .
(3) ضعيف جدًا، أخرجه الخطيب في أخلاق الراوي (1210) ، وابن عساكر في تاريخه (421/ 6) عن أبي هريرة مرفوعًا. وانظر الإرواء (1/ 29) .
(4) ضعيف، رواه أبو داود (4840) عن أبي هريرة مرفوعًا. الإرواء (607) .
(5) صحيح. أبو داود (4841) عن أبي هريرة مرفوعًا. الصحيحة (169) .
(6) شرح العقيدة الواسطية للعثيمين (ص 37) .
(7) صحيح البخاري (2731) .
(8) تفسير القرطبي (1/ 91) .
(9) تفسير القرطبي (1/ 99) .
(10) تفسير القرطبي (1/ 99) .
(11) البحر المحيط (1/ 30) .
(12) انظر تفسير القرطبي (101/ 1) .
(13) كما أفاده الشيخ المحدث أحمد شاكر رحمه الله في تحقيق تفسير الطبري (1/ 121) .