جاء وفد بُزاخة أسد وغطفان [1] إلى أبى بكر -رضي اللَّه عنه- يسألونه الصلح، فخيرهم أبو بكر -رضي اللَّه عنه- بين الحرب المُجْلِية [2] أو السلم المُخْزِية، فقالوا: هذا الحرب المجلية قد عرفنا، فما السلم المخزية، قال أبو بكر -رضي اللَّه عنه-: تؤدون الحلَقة [3] والكراع [4] ، وتتركون أقوامًا تتبعون أذناب الإبل، حتى يري اللَّه خليفة نبيه والمسلمين أمرا يعذرونكم به، وتدون قتلانا [5] ولا ندي قتلاكم، وقتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وتردون ما أصبتم منا، ونغتم ما أصبنا منكم، فقال عمر -رضي اللَّه عنه-: قد رأيت رأيًا وسنشير عليك، أما أن يؤدوا الحلقة والكراع فنعما رأيت، وأما أن يُتركوا قوما يتبعون أذناب الإبل حتى يُرِي اللَّه خليفة نبيه
(1) بُزاخة هو موضع بالبحرين، أو ماء لطيء بارض نجد، وهذا الموضع كان فيه حرب للمسلمين أيام أبي بكر رضي اللَّه عنه، وهؤلاء الوفد كانوا قد ارتدوا ثم تابوا وأرسلوا وفدهم إلى الصديق يعتذرون إليه فأحب أن لا يقضي فيهم حتى يشاور أصحابه في أمرهم. انظر: معجم البلدان للحموي (1/ 408) ، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع للبكري (1/ 247) .
(2) قال ابن الأثير"أي حَرْبًا مُجْلِيَةً مُخْرِجة عن الدَّار والمال"، من الجلاء، قال ابن منظور:"جَلا القومُ عن أَوطانهم يَجْلُون وأَجْلَوْا إِذا خرجوا من بلد إِلى بلد"، ومنه قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} [الحشر: 3] ، انظر: النهاية لابن الأثير مادة: (جلا) ، (1/ 290) ، لسان العرب (14/ 149) مادة: (جلا) ، فتح الباري (13/ 210) .
(3) الحلَقة -بفتح اللام-: أي السلاح، قال الخطابي في"غريب الحديث" (2/ 32) :"الحلقة السلاح وأداة الحرب وأكثر ما يقال ذلك في الدروع". انظر: فتح الباري (13/ 210) ، غريب الحديث لابن الجوزي (1/ 235) .
(4) المراد بالكراع هنا الخيل، كما بينه الحافظ ابن حجر في"فتح الباري" (13/ 210) ، قال الرازي في مختار الصحاح:"الكُراع: اسم يجمع الخيل"، وأما أصل الكراع فقال ابن فارس في مقاييس اللغة (5/ 138 - 139) :"الكاف والراء والعين أصلٌ صحيح يدلُّ على دِقَّةٍ في بعض أعضاء الحيوان، من ذلك الكُرَاع، وهو من الإنسان ما دونَ الرُّكبة، ومن الدوابِّ: ما دون الكَعب. . . فأمَّا تسميتُهم الخَيْل كُراعًا فإنَّ العرب قد تعبَّر عن الجسم ببعض أعضائِه، كما يقال: أعتَقَ رقبةً، ووَجْهِي إليك. فيمكنُ أن يكون الخيلُ سمِّيت كُرَاعًا لأكارعها".
(5) أي تؤدون دية قتلانا.