فكل ما وجد الصلاح أو وصف بالصلاح أحد ظنوا أنه يقربهم ويرفع إلى الله - عز وجل - حوائجهم لتقضى من عنده سبحانه، قالوا: هذا تصرف له العبادة"ليشفعوا لهم"، هذه غاية سؤال الملائكة، فآل الغلو في الصالحين إلى الشرك بالله في الإلهية، وهو أعظم ذنب عُصي الله به، وأول شرك وقع على ظهر الأرض، وهو ينافي التوحيد الذي دلَّت عليه كلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله الله [1] .
قال ابن تيمية - رحمه الله:"فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين" [2] ، وقد نقل كلام شيخ الإسلام هذا جملة من أهل العلم [3] .
قال تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) } آل عمران: 80.
إذًا فالانحراف في تحقيق توحيد الألوهية سبب في انحرافهم في الإيمان بالملائكة.
سبق بيان أن الانحراف في تحقيق توحيد الألوهية يؤول إلى الانحراف في الإيمان بالملائكة، وهنا بيان أن الانحراف في توحيد الربوبية سبب كذلك في الانحراف في الإيمان بالملائكة؛ ذلك أنه وجد فئام من الضالين وصفوا الملائكة بأنها تعلم الغيب، قال تعالى للرد عليهم: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) } النمل: 65، كما وجد من يعتقد أن كل حركة في العالم ناشئة عن ملائكته [4] .
(1) ينظر: شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للغنيمان (3/ 113) ، إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (1/ 266) ، التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام لعبد المجيد بن سالم المشعبي (ص 7) .
(2) مجموع الفتاوى (1/ 124) ، وينظر: مجموع الفتاوى (3/ 274) ..
(3) كابن مفلح (الفروع(6/ 158) ، والمرداوي (الإنصاف(10/ 327) ، والحجاوي والبهوتي (الإقناع وشرحه(6/ 168) ، وابن ضويان (منار السبيل(2/ 357) وغيرهم رحمهم الله.
(4) وفي هذا نظر؛ لأنه قد ورد في بعض النصوص أن هناك أمورًا تحدث بهذه الأسباب، أي: بما جعله الله عز وجل من أعمال الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض، وأمورًا تكون بقدرة الله المحضة، كما ورد من أن الله عز وجل خلق آدم بيده، وخلق عيسى بن مريم بيده، وتولى كثيرًا من أمر خلقه بيده سبحانه. كما أن هناك من الأمور ما يحدث بأسباب مباشرة، أي: يكون وجوده وخلقه بأسباب جعلها الله عز وجل، وهناك ما يكون بمجرد قول الله عز وجل: (كن) . فتدبير الله للعالم يكون بفعله وبقوله، ويكون بيده سبحانه، ويكون أيضًا بتسخيره للملائكة، وبأمره لهم.
ينظر: شرح الطحاوية، أ. د. ناصر العقل"مفرغ"، وهو بترقيم الشاملة آليا (63/ 11) .