فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 564

المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في مسائل الإيمان.

يعتبر الإرجاء من أخطر الانحرافات العقدية المؤثرة في حياة المسلمين، فمسألة الإيمان أهم مسألةٍ عقدية؛ لأنها أصل الدين وأساسه، وهي المعيار في معرفة المؤمن من الكافر، والموحّد من المشرك، فالانحراف فيها لا بد أن يكون له آثار عظيمة في المجتمع الإسلامي [1] .

لذلك ذم السلف الصالح الإرجاء ذمًا شديدًا، ومن ذلك قول الزهري [2] :"ما ابتُدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء" [3] ، وقال شريك القاضي [4]

فيهم:"هم أخبث قوم"، وقال قتادة [5] :"ليس من الأهواء شيء أخوف على الأمة من الإرجاء" [6] .

وقد صدقوا في ذلك فإن آثار الإرجاء فاقت آثار سائر البدع الاعتقادية والعملية الأخرى، كما أن عقيدة المرجئة لم تكن على الإطلاق ثمرة نظر في النصوص الشرعية ولا وليدة اجتهاد عقلي سوي، وإنما هي وليدة مواقف انفعالية جدلية أفرزتها المعارك الكلامية الطاحنة بين الفرق البدعية [7] ، لذا فالمرجئة من الفرق الضالة التي فرطت في حق الله - عز وجل -، وذلك بعدم طاعته وعدم القيام بأحكامه وشريعته سبحانه وتعالى، وذلك عن طريق إخراج العمل عن مسمى الإيمان.

إذ لا يكفي المسلم مجرد إعلانه باللسان أنه مؤمن، فما أكثر المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)

(1) ينظر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، د. عبد الرحيم السلمي (ص 332) .

(2) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله، أبو بكر القرشي الزهري المدني، فقيه حافظ متقن، توفي سنة 125 هـ.

ينظر: وفيات الأعيان (4/ 177) ، وسير أعلام النبلاء (5/ 326) ، وتهذيب التهذيب (9/ 445) .

(3) ينظر: مقالات الإسلاميين (1/ 221) .

(4) هو: شريك بن عبد الله النخعي، أبو عبد الله الحافظ القاضي، أحد الأعلام، ولي قضاء الكوفة، وكان فيه تشيع خفيف، وكان عادلًا فاضلًا شديدًا على أهل البدع، ولد سنة 95، وتوفي بالكوفة سنة 177 هـ.

يظر: تاريخ بغداد (9/ 279) ، وسير أعلام النبلاء (8/ 178 - 192) ، وتقريب التهذيب (1/ 351) .

(5) هو: قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري الضرير، كان حافظ العصر وقدوة المفسرين والمحدثين ولد سنة (60 هـ) وتوفي سنة (118 هـ) .

ينظر: سير أعلام النبلاء (5/ 277) ، ذكرها اللالكائي في السنة (4/ 699) .

(6) الإيمان لابن تيمية (ص 267) .

(7) وأخيرا - بعد استقرار النظرية - يبحثون لها عن مستند من النصوص يتعسفونها تعسفا. بل وصل الأمر بهم إلى أن يضعوا الأحاديث في فضل الإرجاء وأهله وذم المخالفين لهم، ومن أشهر واضعيهم: الجويباري. ينظر: المجروحين لابن حبان (1/ 142) ، درء تعارض العقل والنقل (7/ 92) ، وظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (1/ 128) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت