فقد أودع الله في دين الوسطية عنصر الثبات والخلود [1] ، وعنصر المرونة [2] والتطور معًا، فهي صالحة لكل زمان ومكان ولكل الأجيال [3] .
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) } إبراهيم: 24 - 26.
ولأجل ذلك كان ضروريًا اتصاف منهج الإسلام الوسط بعوامل البقاء والثبات والاستمرار، فالناس تبتعد منها وتقترب {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} البقرة: 143 [4] ، فلم يكلف المولى - عز وجل - الناس فوق طاقتهم؛ فسنة الله جارية على أنه لا يكلف النفوس إلا وسعها [5] .
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرشد أمته إلى العمل الذي يطيقون الثبات عليه والمداومة فيه، قال - صلى الله عليه وسلم: (( أكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ، وكان إذا عمل عملا أَثْبَتَهُ ) ) [6] .
إن من حكمه الله الربانية أن جعل قلوب عباده المؤمنين تحس وتتذوق وتشعر بثمرات الصراط المستقيم، لتندفع نحو مرضاته والتوكل عليه، ومن أعظم هذه الفوائد والثمار [7] :
(1) فنجد الوسطية تتصف بثباتها في الأحكام والقواعد التي لا يمكن للمسلم ولا لغيره التصرف فيها فقهًا وعملًا، لأنها ثابتة بنصوص قطعية، وكذلك نجدها ثباتة المقاصد والغايات والأصول والكليات والقيم الدينية والأخلاقية.
(2) تتضح مرونة الوسطية في قواعدها التي تجعل شرائع الإسلام مواكبة لأي عصر من العصور، وفي وسائلها وأساليبها وفروعها وجزئياتها وشئونها الدنيوية والعلمية.
(3) ينظر: الرسالات السماوية السابقة امتداد أم تقاطع -للدكتور رشيد كهوس- البحث لمشاركة بمهرجان ربيع الرسالة الثقافي العالمي السابع.
(4) ينظر: أسطر من النقل والعقل والفكر (ص 243) .
(5) ينظر: تفسير القاسمي، لمحمد جمال الدين القاسمي، (12/ 4405) .
(6) أخرجه أبو داود في سننه، برقم (1219) ، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/ 255) ، برقم (1219) .
(7) ينظر: ملخصًا الوسطية في القرآن الكريم للصلابي (ص 244 - 252) .