فهرس الكتاب

الصفحة 506 من 564

-ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط.

كما أن هذه الآية أيضًا قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، فكانت رادةً على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان بعمله لا يستحق الجنة؛ لأنهم يرون أنه أصلًا مجبور على العمل، فالجنة عندهم ليست ثوابًا [1] ، فكان قوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) } ردًا عليهم.

كما ردت أيضًا على القدرية والمعتزلة الذين يقولون: إنه يجب على الله أن يدخلهم الجنة؛ لأنهم قدموا السبب؛ ولأن الباء في الآية هي (باء) السبب أي: بسبب أعمالكم [2] ، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الفضل كله إلى فضله ورحمته.

-ثالثًا: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان.

المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: الانحراف في الإيمان بالغيب.

فإنكار الله - عز وجل -، يستلزم الانحراف في توحيد الربوبية الذي يؤثر في قبول علم الله الغيبي، يصاحب ذلك الانحراف الإغراق في الحس، ومن ثم إنكار اليوم الآخر جملة وتفصيلا.

لذا حُسم أمر الغيب مع الملاحدة؛ فإنه بإنكار وجود الرب لم يعد هناك مبرر للقول بغيب ديني.

كما أن الاستغراق في عالم الشهادة والمادة والحس، وطول إلفه ذلك، والإخلاد إليه، يفسد على صاحبه الإيمان بالغيب والتصديق به، فيقع بين طرفي نقيض، فإما جلب ذاك الغيب بصور شتى إلى عالم الشهادة وإما نفي ذلك الغيب مطلقًا.

لذا نجد من شبه أعمال اليوم الآخر وما فيه من مخلوقات، بما يرسمه له عقله من عالم الشهادة [3] .

(1) ينظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص 89 - 92) ، الملل والنحل للشهرستاني (1/ 79) ، الفرق الإسلامية لعطوان (ص 81 - 105) .

(2) ينظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص 24) ، التنبيه والرد للملطي (ص 176 - 187) ، الفرق الإسلامية في بلاد الشام لعطوان (ص 15 - 79) .

(3) ينظر: النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية (2/ 891 - 892) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت