فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 564

الآية الثالثة:

قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) } القصص: 77، في هذه الآية الكريمة ردٌ على من وقع في بدعتي الإفراط والتفريط:

-أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط.

في هذه الآية رد على من فرطوا في توحيد الألوهية من المرجئة والملاحدة وغيرهم، الذين توهموا [1] وجود إنسان لا يعبد شيئًا، في قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ} .

فمن أعرض عن الطاعة بتركها مطلقًا لم يكن قد حقق أصل التوحيد فلا يكون مسلمًا، ويكون بتوليه الكلي عن الطاعة كافرًا - عياذًا بالله- كما قال تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) } النور: 47، قال شيخ الإسلام - رحمه الله:" (التولي) هو التولي عن الطاعة ... فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل وإن كان قد أتى بالقول" [2] ؛ لأن"جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب" [3] ، وإيمان القلب لا يُتصور وجوده دون أن تظهر آثاره على الجوارح [4] ، وهذا هو المقرر عند سلف الأمة وأئمتها.

كما أن فيها أيضًا ردًا على الذين أغرتهم الماديات عن العمل للآخرة ففرطوا في توحيد الألوهية، نجد هذا في قوله تعالى: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} ، قال ابن عباس - رضي الله عنه: لا تنس حظك من الدنيا أن تعمل فيها لآخرتك، وقيل: لا تنس ما أنعم الله عليك أن تشكره عليه بالطاعة، ولا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب؛ لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة [5] ، وقد توعد الله من همه دنياه فقط بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) } يونس: 7 - 8.

(1) هذا التوهم إما أن يكون اعتقادًا كما هو صنيع الملاحدة، وإما أن يكون لازما كما هو صنيع المرجئة وأهل الشهوات والمنافقون.

(2) مجموع الفتاوى (7/ 142) .

(3) الإيمان الأوسط (شرح حديث جبريل) لابن تيمية (ص 567) .

(4) ينظر: مجموع الفتاوى (7/ 198) .

(5) ينظر: النكت والعيون، تفسير الماوردي (4/ 267) ، والبحر المحيط في التفسير، لأبي حيان الأندلسي (8/ 325) ، والجواهر الحسان في تفسير القرآن، للثعالبي (4/ 283) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت