قال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) } الماعون: 1 - 3، جعل الله من أخص صفات المكذبين بيوم القيامة الذين فسدت عقائدهم: سوء أخلاقهم مع المجتمع، وخاصة مع من لا يرجون من ورائه نفعًا دنيويا عاجلًا كاليتامى والمساكين والضعفة.
بل نجد هذا ظاهرًا في المذاهب المادية كالرأسمالية"البرجوازية" [1] وغيرها؛ وما ذلك إلا لِمَا هم فيه من أبهة الغنى، فظنوا أن لهم عند الله الحظوة في الدنيا، وكذا في الآخرة؛ وهذا من جهلهم، واغترارهم بالحياة الدنيا، وزينتها، فقال: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) } سبأ: 35، وقال: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} فصلت: 50.
كما أن كثيرًا من أهل الكفر والجهل توهم أن إمهال الله لهم دليل على أنه لا حياة آخرة فضلوا وأضلوا، فقال الله - سبحانه وتعالى - عنهم: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ} العنكبوت: 53.
-رابعًا: إقحام العقل القاصر في تصور عالم الآخرة الغائب:
نجد إقحام العقل القاصر في تصور عالم الآخرة الغائب، واضحًا عند استعراض أقوال المذاهب في حشر الأجساد:
فالفلاسفة الطبيعيون: أنكروا البعث كلية، زاعمين أن اعتدال المزاج له تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان؛ فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضًا، وأنها تبطل ببطلان مزاجه، فتنعدم، ثمّ إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم [2] .
(1) الرأسمالية -أو البرجوازية كما يسميها الشيوعيون-: نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية يقوم على أساس تنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها، متوسعًا في مفهوم الحرية، ولقد ذاق العالم بسببه ويلات كثيرة، وما زالت الرأس مالية تمارس ضغوطها وتدخلها السياسي والاجتماعي والثقافي وترمي بثقلها على مختلف شعوب الأرض، وأهم معتقداتها البحث عن الربح بشتى الطرق والأساليب -إلا ما تمنعه الدولة لضرر عام كالمخدرات-، وتقديس الملكية الفردية، والمنافسة والمزاحمة في الأسواق، ونظام حرية الأسعار.
ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة (ص 231) .
(2) ينظر: الكليات للكفوي (ص 146) ، شرح المقاصد لتفتازاني (2/ 155) .