الآية الأولى:
قول الله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) } الأنبياء: 23، فيها رد على طائفتين متقابلتين من طوائف المبتدعة! ، وبيان ذلك فيما يلي:
-أولًا: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط.
دل قوله جل وعلا: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} ، على إثبات الفعل لله - عز وجل -، فكانت هذه الآية رادةً على كلِ من نفى أفعال الله [1] -من القدرية- بأنه سبحانه {يَفْعَلُ} .
-ثانيًا: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط.
كما أن هذه الآية أيضًا قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، فردت على نفاة أفعال العباد -من الجبرية- بأنهم {يُسْأَلُونَ} ؛ ونسبة السؤال إليهم فيه دلالة على أنهم قادرون ومحاسبون على أعمالهم.
الأمر الأول: إسناد الفعل إلى العبد، وأنه القائم به حقيقة؛ ولأجل هذا وقعت المحاسبة والجزاء عليه، كما في قاله تعالى: {وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) } ، وقوله - سبحانه وتعالى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} الأنعام: 164، أي:"أن النفوس إنما تجازى بأعمالها؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر" [2] ، وكما قال تعالى: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) } طه: 15، والآيات في هذا كثيرة.
الأمر الثاني: أن للعبد قدرة أودعها الله فيه، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} التغابن: 16، وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} فصلت: 15، فهو قادرٌ بجعل الله له قادرًا، وهو - سبحانه وتعالى - خالقه وخالق قدرته [3] ، لذا فإنه - سبحانه وتعالى - لا يسأله ولا يحاسبه إلا لما له فيه قدرة ومشيئة، قال تعالى: {وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) } ، أي: عما فعلوا باختيارهم [4] .
(1) ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن أدلة إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الله تزيد على عشرة آلاف دليل .. ينظر شفاء العليل (1/ 573) .
(2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/ 207) .
(3) ينظر: درء التعارض (1/ 86) ، ومنهاج السنة (3/ 111، 235، 257) ، وبغية المرتاد (ص 263) .
(4) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/ 207) .