ومن خلال ما سبق يمكننا الوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان باليوم الآخر، وهي:
وإن اعترف الكفار بوجود الخالق، إلا أنهم يكذبون بالبعث والنشور، ومن هؤلاء طائفة من اليهود يسمون بالصادقين [1] ، ومن هؤلاء العرب الذين قال الله فيهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) } لقمان: 25، فهؤلاء يزعمون أنهم يؤمنون بالله، ولكنهم يدعون: أن قدرة الله عاجزة عن إحيائهم بعد إماتتهم، ويسخرون من البعث-وهو فعل من أفعال الرب جل وعلا-، فهم إذن لم يُقّروا لله بأفعاله بل كفروا بها كما قال الله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) } التغابن: 7، وهم الذين ضرب الله لهم الأمثال، وساق لهم الحجج والبراهين [2] لبيان قدرته على البعث والنشور، وأنه لا يعجزه شيء.
فعذاب القبر والبعث والنشور ونشر الصحف ووزن الأعمال والعرض والتعذيب بالنار والإنعام بالجنة، لا يؤمن بها إلا من صح توحيده بالله - عز وجل - وبصفاته؛ لأنها من أفعال الله تعالى، ويدلنا إنكارهم لها على أنهم غيرُ موحدين لله بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات.
-ثانيًا: الكفر بالله:
من أعظم أسباب التكذيب باليوم الآخر الكفر، لذا فإننا نجد أن اليهود، والنصارى ينكرون الأكل، والشرب، والنكاح في الجنة، ويزعمون: أن أهل الجنة إنما يتمتعون بالأصوات المطربة، والأرواح الطيبة مع نعيم الأرواح، وهم يقرون مع ذلك بحشر الأجساد مع الأرواح ونعيمهما وعذابهما.
(1) يزعمون: أنهم لا يؤمنون إلا بتوراة موسى، وهم يكذبون بالبعث والنشور والجنة والنار.
ينظر: القيامة الكبرى، لعمر الأشقر (ص 72) .
(2) ومن هذه الحجج (بداية الخلق - أن الخلق يصبح عبثًا وباطلًا إذا لم يكن بعث ولا يوم آخر {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115) } المؤمنون: 115. ينظر: الوسطية في ضوء القرآن الكريم للصلابي (ص 298) .