وفي أوائل صفر سنة (11 هـ) , خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد , فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، ثم انصرف إلى المنبر فقال: (إني فرطكم , وإني شهيد عليكم , وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها) . متفق عليه
بداية المرض:
وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر سنة (11 هـ) , وكان يوم الاثنين , شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة في البقيع فلما رجع وهو في الطريق أخذه صداع في رأسه، واتقدت الحرارة، حتى إنهم كانوا يجدون سورتها فوق العصابة التي تعصب بها رأسه.
وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالناس وهو مريض أحد عشر يومًا، وجميع أيام المرض كانت (13 أو 14 يومًا) .
وثقل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - المرض، فجعل يسأل أزواجه: أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ ففهمن مراده، فأذنَّ له يكون حيث شاء، فانتقل إلى عائشة، يمشي بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب، عاصبًا رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتها، فقضى عندها آخر أسبوع من حياته - صلى الله عليه وسلم -.
آخر يومًا من الحياة:
روى أنس - رضي الله عنه - أن المسلمين بين هم في صلاة الفجر يوم الاثنين، وأبو بكر يصلي بهم، لم يفجأهم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم بضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس - رضي الله عنه: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فرحًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأشار إليهم بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة، وأرخى الستر.
ثم لم يأت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت صلاة أخرى.
(ودينه باق، وهذا دينه لا خير إلا دل الأمة عليه ... )
يقول تعالى ممتنًا على عباده: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا}
فهذه الآية الكريمة تدل على تمام الشريعة وكمالها وكفايتها لكل ما يحتاجه الخلق الذين أنزل الله سبحانه قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} .
يقول الإمام ابن كثير في تفسيره (2/ 19) :
(هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه.
وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خُلْف، كما قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا} أي: صدقًا في الإخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة).
فلا يتصور أن يجيء إنسان ويخترع في الشريعة شيئًا، لأن الزيادة عليها تعد استدراكًا على الله تبارك وتعالى، وتوحي بأن الشريعة ناقصة، وهذا يخالف ما جاء به كتاب الله تبارك وتعالى.
ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم ... ) . رواه مسلم
وأخرج الطبراني في معجمه الكبير (1647) عن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - قال: (تركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علمًا، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار، إلا وقد بُيّن لكم") .
فهذا الحديث النبوي الشريف فيه التصريح الجليّ الواضح بأن كل ما يقرب إلى الجنة قد بينه لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن كل ما يباعد عن النار إلا وقد بينه لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.فأي إحداث أو ابتداع إنما هو استدراك على الشريعة، وجرأة قبيحة يُنادي بها صاحبها أن الشريعة لم تَكْفِ ولم تكتمل، فاحتاجت إلى إحداثه وابتداعه.
وهذا ما فهمه تمامًا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما صح عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة) .