تمثل سياسة التعويم الحر نقيضا لسياسة تثبيت أسعار الصرف، حيث لا يمكن للسلطات النقدية أن تتدخل في أسواق الصرف من أجل تدعيم العملة الوطنية أو تتخذ قرارات اقتصادية متعلقة بسعر صرف العملات، وتكون بالتالي غير ملزمة بالاحتفاظ باحتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية.
وفق هذه السياسة، ينظر الى توازن ميزان المدفوعات أنه يتحقق تلقائيا عن طريق تفاعل قوى العرض والطلب في السوق، حيث تتغير أسعار الصرف ارتفاعا وانخفاضا حتى يتحقق التوازن. وبالمقابل، يرى معارضو سياسة التعويم الحر أن آلية السوق لا تضمن بصفة دائمة تحديد سعر الصرف المناسب للعملة الذي يحقق التوازن في الأمد المتوسط. لقد كشفت التجارب في تطبيق سياسة التعويم أنها لم تخل من تدخل السلطات النقدية في أسواق الصرف منعا للتقلبات العنيفة لأسعار الصرف، وهذا ما يطلق عليه اصطلاح التعويم غير النظيف -التعويم المدار- وقد اتجهت بعض دول أوروبا بقيادة ألمانيا الاتحادية إلى تكوين نظام نقدي اقليمي مبني على أساس تثبيت أسعار صرف عملات الدول الأعضاء في النظام وتعويمها مقابل عملات الدول الاخرى تعويما جماعيا، وكانت هذه الخطة نواة إنشاء النظام النقدي الأوروبي.
لقد كانت الدول الصناعية التي اتبعت سياسة التعويم تشكل ثلاثة أرباع (1) حجم التجارة الدولية، وهو ما جعل هذه السياسة عبارة عن ظاهرة دولية، أما فيما يخص الدول النامية، فقد تحولت عن ربط عملاتها بعملة رئيسية، فاتجهت دول الى ربط عملاتها بحقوق السحب الخاصة، واتجهت دول أخرى إلى الربط بسلة من العملات المتنوعة التي تتحدد أوزان كل منها بما يتناسب مع موازين مدفوعاتها الخارجية.
وحين اتبعت الدول الصناعية سياسة التعويم سنة 1973، لم تكن تنظر إلى هذا النظام بحكمه نظاما نقديا يمثل الأفضل، إنما كان اتباعها له بسبب انهيار نظام أسعار الصرف الثابتة الذي لا تلبث أن تعود إليه بمجرد إنتهاء الأزمة.
ولما تضاعفت أسعار البترول في نهاية سنة 1973 مرات عديدة وما تبعها من موجات تضخمية حادة وكساد عميق، خصوصا سنة 74 - 75، حدثت اختلالات كبيرة في المدفوعات ـــــــــــــــ
(1) نفس المرجع، ص: 51.