ومع أن الإسلام أقر الملكيتين الخاصة والعامة فإنه يمنع الملكية الخاصة لبعض الثروات الطبيعية التي لا دخل للناس في إيجادها من جهة وضرورية لهم بحيث تتعلق بها مصلحة الجماعة من جهة أخرى، «عن أبيض بن حمال أنه وفد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستقطعه الملح فقطع له. فلما أن ولى قال رجل من المجلس: أتدري ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العد. قال: فانتزعه منه [1] » . وقد ذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم - بعض الثروات التي لا تملك ملكية خاصة. فقال - صلى الله عليه وسلم - «ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار [2] » . . وذكر الشوكاني هذا الحديث وحديث: «المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار [3] » ثم قال: (واعلم أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها فتدل على الاشتراك في الأمور الثلاثة مطلقا ولا يخرج شيء من ذلك إلا بدليل يخصص به عمومها) [4] وقد فصل العلماء في هذه المسألة فقالوا:
-ماء الأنهار غير المستخرجة والسيول حق إجماعا.
-ماء الأنهار والعيون والقناة المحتفرة في البئر ملك لصاحبها في الراجح ويجب عليه بذل ما زاد عن حاجته منه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ [5] » .
(1) رواه الترمذي في كتاب الأحكام ما جاء في القطائع 3/ 644 - 665، وقال حديث أبيض حديث غريب والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلي الله عليه وسلم - وغيرهم ورواه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء باب في إقطاع الأراضين 3/ 236 وذكره ابن زنجويه في كتاب الأموال 2/ 618
(2) رواه ابن ماجه في كتاب الرهون باب الناس شركاء في ثلاث 6/ 826. وقال البوصيري: إسناد صحيح رجاله موثوقون - وانظر الأموال لأبي عبيد ص 372 - والأموال لابن زنجويه2/ 659 - 674
(3) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، انظر نيل الأوطار 5/ 343 - 344
(4) انظر نيل الأوطار 5/ 345
(5) الحديث متفق عليه وهذا اللفظ لمسلم في كتاب المساقاة باب تحريم بيع فضل الماء الذي يكون في الفلاة 3/ 1198. والمعنى كما قال الجمهور: أن يكون حول البئر كلأ ليس عنده ماء غيره ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا مكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي - انظر نيل الأوطار 5/ 343