وقرر شيخ الإسلام في"الرد على الأخنائي" (ص 135) أن حكم الزيادة التي تمد في المسجد النبوي وكذا في المسجد الحرام يضعَّف فيها الأجر وليس الأجر المضعَّف الركعة بمائة ألف أو بألف ليس فقط في الصلاة التي كانت تصلى في المكان الذي صلى فيه النبي فقط، فالمسعى مع ضيقه منذ القدم من باب أولى، وقد ذكرت في نصوص كثيرة وشهيرة ولا سيما في كتب الرحلات، وقد تتبعت -فيما أزعم ذلك- تتبعًا حسنًا وتبيّن لي أنّ المسعى قديمًا كان يتسع للمقدار المضاف اليوم للمسعى القديم وزيادة، ذلك أنه كان باقي المسعى - الذي هجر فعل السعي فيه آنذاك - سوقًا يجلس فيه الباعة وشكا غير واحد قديمًا وحديثًا أنهم كانوا يشوشون على الساعين.
فمثلًا ابن بطوطة في رحلته"تحفة النظار في غرائب الأمصار"في (الجزء الأول ص 380 - 381 من الطبعة المغربية) لما حدّ المسعى وتكلم عليه قال:"وبين الصفا والمروة مسيل فيه سوق عظيمة تباع فيها الحبوب، واللحم، والتمر، والسمن، وسواها من الفواكه، والساعون بين الصفا والمروة يكادون يغطسون من زحام الناس على حوانيت الباعة، وليس بمكة سوق منتظمة سوى هذه،-أي هذه السوق- إلا البزازون والعطارون عند باب بني شيبة".
ووجدت في كتاب"الأيام المبرورة في البقاع المقدسة" (ص72) لمحمد لطفي جمعة، -وكانت رحلته في شتاء سنة 1359هـ الموافق 1940م- قوله:"خرجنا من باب الصفا غير مصدقين أننا نغادر الكعبة حتى لضرورة السعي بين الصفا والمروة، ولكنه فراق مؤقت لم يكن منه بد، وكنا ما زلنا في وقت لا يتبين فيه الخيط الأبيض من الخيط الأسود -يعني في وقت السحر-، وما كان أعظم دهشتي عندما وجدت المسعى شارعا مبلطًا بالحجر الأزرق الغليظ الذي بين مربعاته الضخمة فوارق وعلى جانبه دكاكين ومتاجر ومنه تتفرع حارات وشوارع".
هذا المسعى قديمًا، وبُني الجدار في عصور المتأخرين، لا نقول إنّ المسعى فقط هذا المكان جبلان عرض الواحد عشرون مترًا، فالجبل أوسع من ذلك كما سيأتينا في كلام ابن جرير الطبري.
ويقول عبدالوهاب عزام في كتاب"الرحلات" (ص363) -وكان قد ذهب للحج سنة 1937م- معبرًا عن مشاهداته للمسعى:"ثم يرجو كل مسلم أن يصلح المسعى بين الصفا والمروة، فيفصل عن السوق والطريق، ويجعل على شاكلة تشعر الساعي أنه في عبادة ينبغي أن تفرغ لها نفسه ويتم لها توجهه، وما أحوج الحرمين في مكة والمدينة إلى أن تزحزح عنهما الأبنية المجاورة ويدور بهما محيط واسع يظلله شجر ..."إلخ.
والذي يقرأ كتب رحلات الحج في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين الميلادي يجد عجبًا يقول غير واحد: كنا نشاهد بعض الملوك يسعون بالسيارة بين الصفا والمروة وقطعًا هذا معناه أن المسعى عرضًا أوسع من المسعى الموجود اليوم.
وقد وجدت في بعض الكتب أن جملًا دفن في المسعى، بل في ترجمة الإمام النسائي قيل أنه دفن بين الصفا والمروة.
الكلام في تغيير المسعى -كما ذكرت- كثير، وقد أحدث في بعض العصور إشكالات فقد ذكر الأزرقي في كتابه"وكان المسعى في بطن المسجد الحرام اليوم"يعني في توسعة المهدي سنة 164هـ، أدخل شيئًا من المسعى في بطن المسجد يعني أخذ من أطرافه من جهة الغرب، لأنّ المسعى كان في تلك الفترة فيه سعة، وفيه دور، والدار التي كانت بمسامة الميل الأخضر الأول الذي يسعى إليه كانت دار العباس عم النبي وآل هاشم وكانت رباعهم من تلك الجهة.
ووجدت في بعض الآثار عند ابن أبي شيبة في"المصنف" (5/ 345 - ط الرشد) أو (8/ 331 - ط القبلة) عن مجاهد: أن المسعى قد انتقص منه، ومعنى انتقص منه أنهم كانوا يسعون ولا يستوعبون جميع المسافة آنذاك؛ أعني: من حيث العرض، فدار العباس كانت في المسعى، ودار الأرقم كانت فيه أيضًا، واشتراها أبو جعفر المنصور، وكانت دار الأرقم هي أول دار يجمع النبي الناس فيها للإسلام سرًا في السنوات الثلاث الأول، وكانت قريبة من المسعى، ويقول يحيى بن عمران بن الأرقم -وهو من ذرية الأرقم بن أبي الأرقم- كما في"طبقات ابن سعد":"إني لأعلم اليوم الذي وقعت -أي الدار- في نفس أبي جعفر المنصور، اشتراها وجعلها لأم ولديه الخَيْزُران".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)