5 -وشرط الشّافعيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة، أن يكون الصّائم مختارًا - غير مكره - فيما يتناوله، من طعام أو شراب أو دواء، فلو صبّ الماء أو الدّواء في حلقه مكرهًا، لم يفسد صومه عندهم، لأنّه لم يفعل ولم يقصد.
ولو أكره على الإفطار، فأكل أو شرب، فللشّافعيّة قولان مشهوران في الفطر وعدمه , أصحّهما عدم الفطر، وعلّلوا عدم الإفطار بأنّ الحكم الّذي ينبني على اختياره ساقط، لعدم وجود الاختيار.
ومذهب الحنابلة: أنّه لا يفسد صومه قولًا واحدًا، وذلك لحديث ابن عباس يرفعه: «إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه» [قال الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 1836 في صحيح الجامع] . .. فإنّه عامّ.
الثانى: الجماع في نهار رمضان:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ جماع الصّائم في نهار رمضان عامدًا مختارًا بأن يلتقي الختانان وتغيب الحشفة في أحد السّبيلين مفطر يوجب القضاء والكفّارة، أنزل أو لم ينزل، وفي قول ثان للشّافعيّة لا يجب القضاء، لأنّ الخلل انجبر بالكفّارة.
وعند الحنابلة: إذا جامع في نهار رمضان - بلا عذر - آدميًّا أو غيره حيًّا أو ميّتًا أنزل أم لا فعليه القضاء والكفّارة، عامدًا كان أو ساهيًا، أو جاهلًا أو مخطئًا، مختارًا أو مكرهًا، وهذا لحديث أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ مَا لَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا فَقَالَ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا قَالَ فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنَا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"... [البخاري - كتاب الصوم - باب اذا جامع في رمضان ولم يكن له شئ يتصدق به]
الشرح نقلا من كلام ابن حجر في فتح الباري (بتصرف يسير) :
قَوْله: (هَلَكْت) :اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا لِأَنَّ الْهَلَاك وَالِاحْتِرَاقَ مَجَازٌ عَنْ الْعِصْيَانِ الْمُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ , فَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْمُتَوَقَّعَ كَالْوَاقِعِ , وَبَالَغَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوب الْكَفَّارَة عَلَى النَّاسِي وَهُوَ مَشْهُور قَوْل مَالِك وَالْجُمْهُور , وَعَنْ أَحْمَد وَبَعْض الْمَالِكِيَّة يَجِب عَلَى النَّاسِي , وَتَمَسَّكُوا بِتَرْكِ اِسْتِفْسَاره هَلْ كَانَ عَنْ عَمْد أَوْ نِسْيَان وَالْجَوَاب أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ حَالُهُ بِقَوْلِهِ هَلَكْت وَاحْتَرَقْت فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ , وَأَيْضًا فَدُخُول النِّسْيَان فِي الْجِمَاع فِي نَهَار رَمَضَان فِي غَايَة الْبُعْدِ.
وفى روايه"أَصَبْت اِمْرَأَتِي ظُهْرًا فِي رَمَضَان"وَتَعْيِينُ رَمَضَان مَعْمُولٌ بِمَفْهُومِهِ , وَلِلْفَرْقِ فِي وُجُوب كَفَّارَة الْمُجَامِعِ فِي الصَّوْم بَيْن رَمَضَان وَغَيْره مِنْ الْوَاجِبَات كَالنَّذْرِ (قلت: وهذا يعنى ان هذا الحكم متعلق بمن فعل ذلك في نهار رمضان حال صيامه لا في غيره) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)