قال شيخ الإسلام ابن تيميه -رحمه الله-:"ثم هؤلاء جوزوا كرامات الصالحين ولم يذكروا بين جنسها وجنس كرامات الأنبياء فرقًا، بل صرح أئمتهم أن كل ما خرق لنبي يجوز أن يخرق للأولياء حتى معراج محمد -صلى الله عليه وسلم- وفرق البحر لموسى -عليه السلام- وناقة صالح -عليه السلام- وغير ذلك، ولم يذكروا بين المعجزة والسحر فرقًا معقولًا بل قد يجوزون أن يأتي الساحر بمثل ذلك لكن بينهما فرق دعوى النبوة وبين الصالح والساحر والبر والفجور ... إلى أن قال -رحمه الله-: ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى مثل معجزات المرسلين كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم ولكن قد يشاركونهم في بعضها كما قد يشاركونهم في بعض أعمالهم" (18) .
مذهب المعتزلة:
يرى المعتزلة أن خوارق العادات لا يمكن أن تقع لغير الأنبياء، ولذا فقد ذهبوا إلى منع وقوع الكرامات للأولياء والصالحين، وقد قال بهذا القول أيضًا الإمام محمد بن حزم -رحمه الله- تعالى. قال شيخ الإسلام:"فقالت طائفة لا تخرق العادة إلا لنبي وكذبوا بما يذكر من خوارق السحرة والكهان وبكرامات الصالحين وهذه طريقة أكثر المعتزلة وغيرهم كأبي محمد بن حزم وغيره" (19) .
وحجة المعتزلة فيما ذهبوا إليه أنه بالقول بالكرامات يشتبه النبي بالولي والنبي بالسحر وغيره.
ولا شك بأن هذه الحجة كما هي واضحة حجة عقليه فالمعتزلة كعادتهم يردون مسائل الاعتقاد إلى عقولهم فما وافقهم آخذوا به، وما خالف ردوه.
الرد عليهم:
يكفي في نقض كلام المعتزلة هذه النصوص الصحيحة الواردة في الكتاب والسنة والتي سقنا طرفًا منها في ثنايا هذا البحث والتي تثبت الكرامة لأولياء الله -جل وتعالى-. ولا شك أن نتاج العقل يجب أن يضرب به عرض الحائط إذا خالف نصًا من كتاب أو سنه.
وقد أورد شيخ الإسلام -رحمه الله- تعالى قول المعتزلة ثم رد عليهم بأن هذه الخوارق قد تواترت وشاهدها الناس وهذا كاف في الرد عليهم فقال:"والمنازع لهم -أي للمعتزلة- يقول هي أي الخوارق موجودة مشهودة لمن شهدها متواترة عند كثير من الناس أعظم مما تواترت عندهم بعض معجزات الأنبياء وقد شهدها خلق كثير لم يشهدوا معجزات الأنبياء فكيف يكذبون بما شهدوه ويصدقون بما غاب عنهم ويكذبون بما تواتر عندهم أعظم مما تواتر غيره" (20) .
وقال الشيخ السعدي -رحمه الله-:"وقد أنكرها أيضًا طائفة من أهل الكلام ظنًا منهم أن في إثباتها إبطالًا لمعجزات الأنبياء وهذا وهم باطل أبطله المؤلف -يعنى شيخ الإسلام - في كتابه النبوات وغيره من كتبه" (21) .
(1) - شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام - لمحمد خليل هراس صـ 176 - طبعة دار الإفتاء 1402هـ.
(2) - شرح العقيدة الطحاوية - طبعة المكتب الإسلامي صـ 558.
(3) - لوامع الأنوار البهية - للعلامة السفاريني جـ 2 صـ392.
(4) - لسان العرب: 12/ 510
(5) - الكواشف الجلية عن معاني الواسطية - عبد العزيز السلمان صـ 717.
(6) - لوامع الأنوار البهية 2/ 392.
(7) - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - كرامات أولياء الله عز وجل للالكائي 9/ 7.
(8) - المعجزات والكرامات - ابن تيمية صـ17.
(9) - التنبيهات اللطيفة - للشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي صـ 99.
(10) - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - اللالكائي 9/ 34.
(11) - من بحث الدكتور أحمد حمدان في مقدمة كتاب اللالكائي صـ23.
(12) - أصله في البخاري بلفظ: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) كتاب الرقاق - باب التواضع.
(13) - رواه الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت، ورواه أبو داود.
(14) - رواه ابن ماجه والإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر.
(15) - بتصرف من رسالة شيخ الإسلام - المعجزات والكرامات وأنواع خوارق العادات صـ11.
(16) - التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة تأليف العلامة الشيخ/ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. علق عليها العلامة الشيخ/ عبد العزيز بن باز صـ97.
(17) - الكواشف الجلية عن معاني الواسطية صـ 717.
(18) - النبوات - شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله صـ3.
(19) - النبوات صـ 2.
(20) - النبوات صـ2.
(21) - التنبيهات اللطيفة - للسعدى صـ 100.
ـ [السعيدي] ــــــــ [30 - 03 - 08, 12:16 ص] ـ
ومنها قصة أبي مسلم الخولاني فإنه لما قال له الأسود العنسي المتنبي: أتشهد أني رسول الله، قال:"ما أسمع"، قال أتشهد أن محمدًا رسول الله، قال:"نعم"، فأمر بنار فأوقدت له، وألقي فيها فجاؤوا إليه فوجدوه يصلي فيها، وقد صارت عليه بردًا وسلامًا، فقدم المدينة بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر، وقال:"الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم".
ما مصدر هذه القصة؟ وما الذي يثبت صحتها؟