بقي تنظيم القبيسيات خارج الضوء طوال عقود، وباستثناء الهجوم الذي شنته جماعات السلفية (في الكويت والأردن) وجماعة الأحباش (في لبنان) ؛ فإنه لم يظهر اهتمام فعلي بتنظيم الأخوات القبيسيات - الذي تأسس في سورية- إلا بعد تولي بشار الأسد منصب الرئاسة خلفًا لوالده عام 2000، وذلك مع ازدياد انتشارهن وتأثيرهن في المجتمع السوري، وظهر الاهتمام به إلى حيز الإعلام عام 2002 على شكل مسلسلات كوميدية ودرامية ناقدة على شاشات التلفزة المحلية السورية والقنوات الفضائية العربية؛ عندما خصص المسلسل السوري"بقعة ضوء" (كوميدي) إحدى حلقات للأخوات القبيسيات مركزًا على اختراق القبيسيات لطبقة الأثرياء الارستقراطية واستغلال العمل الدعوي - بحسب المسلسل- لتحقيق مصالح اقتصادية شخصية.
وفي عام 2004 عرض مسلسل"عصي الدمع"نقدًا لأفكار القبيسيات وتصوراتهم الدينية (التي عرضها المسلسل باعتبارها تصورات منغلقة) ، ثم مؤخرًا (رمضان 2006) عُرض مسلسل"الباقون"الذي أخرجه"نجدت أنزور"ثلاث حلقات بعنوان"البرزخ"سلط فيها الضوء على الأسلوب التبشيري الذي تتبعه القبيسيات لتعزيز انتشارهن، والتصورات الفكرية التي تنتشر في أوساطهن.
وإثر الاهتمام الذي أولته بعض الأجهزة الأمنية بشكل واضح لتنظيم الأخوات القبيسيات بدأت الصحافة في آذار2006 بكتابة تحقيقات صحافية تحاول التعرف على هذا التنظيم، فكتب إبراهيم حميدي في صحيفة الحياة تقريرًا مطولًا بعنوان"يرتدين الحجاب الكحلي ويملكن شبكة تدريس ونفوذ واسعة: (الآنسات القبيسيات) يباشرن في سورية انخراط النساء في الدعوة الإسلامية بموافقة السلطات"، وكتب"شعبان عبود" (صحيفة النهار اللبنانية) تقريرًا صحافيًا بعنوان"رجال العمائم أكثر حضورًا من المثقفين"ركز فيه على الاهتمام الأمني لظاهرة القبيسيات، ومنذ ذلك التاريخ صار بإمكاننا ملاحظة اهتمام الصحافة العالمية مثل نيوزويك ونيويورك تايمز وغيرها بهذه الظاهرة - على شكل تقارير مطولة أو بشكل إشارات- كلما تم الحديث عن الخطر الإسلامي والإسلام السياسي في سورية.
البدايات .. منيرة القبيسي
بدأت"منيرة القبيسي" (مواليد 1933) "الشيخة الكبيرة"بتأسيس تنظيمها في الستينيات عندما كانت الحركة الإسلامية في سورية في أوج نشاطها، وذلك خلال تدريسها مادة العلوم الطبيعية (البيولوجيا) في مدارس دمشق، ومع تعاظم نشاطها دخلت كلية الشريعة بدمشق لدراسة العلوم الدينية دراسة أكاديمية في الوقت الذي كانت فيه قريبة جدًا من أفكار مفتي الجمهورية الراحل الشيخ"أحمد كفتارو"، ومنحتها شخصيتها الكاريزمية القدرة على ضم نخبة من النساء الدمشقيات إلى حركتها والانخراط في العمل الدعوي الإسلامي على طريقتها.
ولا يبدو مفهومًا لماذا كانت الشخصيات التي انخرطت معها من الطبقة الغنية ومن العائلات الدمشقية والحلبية العريقة (من أمثال عائلات: جحا، وقويدر، والشيشكلي، والطباع، والغباز، والكزبري، وتسابحجي، والزايد) ، غير أنه حتى يكون لأي حركة دينية تأثير قوي وفعال في المجتمع فإن عليها أن تنتشر أولًا في وسط الجسم الاجتماعي المديني، وهذا بالضبط ما قامت به الشيخة القبيسي. ومهما قيل في تفسير ذلك فإن انتشار الدعوة القبيسية في الأوساط الغنية وذات النفوذ ساعد هذا التنظيم على الانتشار في الوسط النسائي المديني من جهة، ومن جهة ثانية سمح ذلك بالاقتراب من نساء المسؤولين وذوي النفوذ القريبة من الطبقات الغنية، الأمر الذي جعل أجهزة الأمن (على حد تعبير الصحفي"شعبان عبود"نقلًا عن ضابط أمني سوري) ترى في القبيسيات"يمثلن عقبة أمام الأجهزة الأمنية؛ نظرًا لامتدادهن وعلاقتهن العنكبوتية الواسعة ... وقد حصل أكثر من مرة أن وجدت الأجهزة الأمنية صعوبة بالغة في استدعاء إحداهن إلى أحد فروع الأمن؛ نظرًا لكونهن من النساء، وما يترك ذلك من آثار وسمعة سيئة ضد هذا الأجهزة وسط المجتمع والأهالي"، فغالبًا ما يتم التدخل من قبل جهات عليا استفسارًا عن سبب استدعاء إحداهن على حد تعبير الضابط.
رؤية من"الداخل"
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)