فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 138

وقالوا: ولا تطحنِ الدقيق ، ? فَأَثَابَكُمْ غُمًَّا بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ? .

والمعنى: أنَّ الأمور التي فُرغ منها وانتهتْ لا ينبغي أن تُعاد وتُكرَّر ؛ لأنَّ في ذلك قلقًا واضطرابًا وتضييعًا للوقت .

وقالوا أيضًا - وهو مثلٌ إنكليزيٌ -: لا تنشرِ النشارة .

والمعنى: أي نشارةَ الخشبِ ، لا تأت وتنشرْها مرةً ثانيةُ ، فقدْ فرغ منها .

يقولون ذلك لمنْ يشتغلُ بالتوافهِ ، واجترار الهمومِ ، وإعادةِ الماضي ، ? الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ?.

هناك مجالاتٌ للفارغين من الأعمالِ يمكنُ سدُّها ، كالتزودِ بالصالحاتِ ، ونفْعِ الناسِ ، وعيادةِ المرضى ، وزيارةِ المقابرِ ، والعنايةِ بالمساجدِ ، والمشاركةِ في الجمعياتِ الخيريةِ ، ومجالسِ الأحيَّاءِ ، وترتيبِ المنزلِ والمكتبةِ والرياضةِ النافعةِ ، وإيصالِ النفع للفقراءِ والعجزةِ والأراملِ ، ? إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ? .

ولم أر كالمعروفِ أمَّا مذاقُهُ

فحلوٌ وأماَّ وجهُهُ فجميلُ

اقرأِ التاريخ لتجد المنكوبين والمسلوبين والمصابين .

وبعد فصولٍ منْ هذا البحثِ سوف أطلعك على لوحةٍ من الحزنِ للمنكوبين بعنوان: تعزَّ بالمنكوبين .

اقرأ التاريخ إذْ فيه العِبرْ

ضلَّ قومٌ ليس يدرون الخبرْ

? وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ? ، ? لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ ? ، ? فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ? .

قال عمرُ: أصبحتُ وما لي مطلبٌ إلا التمتُّعُ بمواطنِ القضاءِ .

ومعنى ذلك: أنه مرتاحٌ لقضاءِ اللهِ وقدرهِ ، سواءٌ كان فيما يحلو له أو فيما كان مرًّا .

وقال بعضُهمْ: ما أبالي على أيِّ الراحلتيْنِ ركبتُ ، إنْ كان الفقرُ لهم الصبرُ ، وإنْ كان الغنى لهو الشكرُ .

ومات لأبي ذؤيب الهذليِّ ثمانيةٌ من الأبناءِ بالطاعونِ في عامٍ واحدٍ فماذا عسى أنْ يقول؟ إنه آمن وسلَّم وأذعن لقضاءِ ربهِ ، وقال:

وتجلُّدي للشامتين أُريهمُ

أني لريبِ الدهرِ لا أتضعضعُ

وإذا المنيةُ أنشبت أظفارها

ألفيت كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ

? مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ? .

وفقد ابنُ عباسٍ بصره فقال - معزِّيًا نفسه -:

إنْ يأخذِ اللهُ منْ عينيَّ نورها

ففي فؤادي وقلبي منهما نورُ

قلبي ذكيٌّ غيرُ ذي عِوجٍ

وفي فمي صارمٌ كالسيفِ مشهورُ

وهو التسلِّي بما عنده منَ النَّعِم الكثيرةِ إذا فقد القليل منها .

وبُترتْ رِجْلُ عروة بن الزبيرِ ، ومات ابنُه في يومٍ واحدًا ، فقال: اللهمَّ لِك الحمْد ، إنْ كنت أخذت فقدْ أعطيْت ، وإنْ كنت ابتليْتَ فقدْ عافيْت ، منحتني أربعة أعضاءِ ، وأخذت عضوًا واحدًا ، ومنحتني أربعة أبناءٍ وأخذت ابنًا واحدًا . ? وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا? ، ? سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ? .

وقُتل عبدُاللهِ بنُ الصِّمَّةِ أخو دريدٍ ، فعزَّى دريدٌ نفسه بعد أن ذكر أنه دافع عنْ أخيهِ قدْر المستطاعِ ، ولكنْ لا حيلة في القضاءِ ، مات أخوه عبدُالله فقال دريدٌ:

وطاعنتُ عنه الخيل حتى تبدَّدتْ

وحتى علاني حالِكُ اللونِ أسودِ

طعان امرئِ آسى أخاهُ بنفسهِ

ويعلمُ أنَّ المرء غيرُ مخلَّدِ

وخفَّفتُ وجدي أنني لم أقلْ لهُ

كذبت ولم أبخلْ بما ملكتْ يدِي

ويروى عنِ الشافعيِّ - واعظًا ومعزِّيًا للمصابين -:

دعِ الأيام تفعلْ ما تشاءُ

وطِبْ نفسًا إذا حكم القضاءُ

إذا نزل القضاءُ بأرضِ قومٍ

فلا أرضٌ تقيةِ ولا سماءُ

وقال أبو العتاهيةِ:

كمْ مرةِ حفَّتْ بك المكارِه

خار لك اللهُ وأنت كارِهْ ؟

كمْ مرةٍ خفنا من الموتِ فما متْنا ؟!

كمْ مرةٍ ظننا انها القاضيةُ وأنها النهايةُ ، فإذا هي العودةُ الجديدةُ والقوةُ والاستمرارُ ؟!

كم مرةٍ ضاقتْ بنا السُّبُلُ ، وتقطَّعتْ بنا الحبالُ ، وأظلمتْ في وجوهِنا الآفاقُ ، وإذا هو الفتحُ والنصرُ والخيرُ والبِشارةُ ؟! ? قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ? .

كمْ مرةٍ أظلمتْ أمامنا دنيانا ، وضاقتْ علينا أنفسُنا والأرضُ بما رحُبتْ ، فإذا هو الخيرُ العميمُ واليسرُ والتأييدُ ؟! ? وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ? .

منْ علم أنَّ الله غالبٌ على أمرِه ، كيف يخافُ أمر غيرِه ؟! منْ علم أنَّ كلَّ شيءٍ دون اللهِ ، فكيف يخوَّفونك بالذين منْ دونِه ؟! منْ خاف الله كيف يخافُ منْ غيرِه ، وهو يقولُ: ? فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ? .

معهُ سبحانُهُ العزةُ ، والعزةُ للهِ ولرسولهِ وللمؤمنين .

معه الغَلَبَةُ ? وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ? ، ? إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ? .

ذكر ابنُ كثيرٍ في تفسيرِه أثرًا قدسيًّا: (( وعزتي وجلالي ما اعتصم بي عبدٌ ، فكادتْ له السماواتُ والأرضُ ، إلا جعلتُ له منْ بينِها فرجًا ومخرجًا . وعزَّتي وجلالي ما اعتصم عبدي بغيري إلا أسخْتُ الأرض من تحتِ قدميْهِ ) ).

قال الإمامُ ابنُ تيمية: بـ (( لا حول ولا قوة إلا بالله ِ ) )تُحمل الأثقالُ ، وتُكابدُ الأهوالُ ، ويُنالُ شريفُ الأحوالِ .

فالزمْها أيُّ العبدُ ! فإنها كنزٌ منْ كنوزِ الجنةِ . وهي منْ بنودِ السعادةِ ، ومنْ مساراتِ الراحةِ ، وانشراحِ الصدرِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت