فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 144

بعد لقاء جبل الصفا الذي كان بمثابة المواجهة الأولى مع قريش، وبعد أن أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الصرخة الإيمانية المدوية في مكة ليسمعها القاصي والداني وتكون هي نقطة البدء في مسيرة دعوية طويلة مدتها ثلاث وعشرون سنة، أنزل الله تعالى على نبيه الأمر بمواصلة الصدع بدعوته دون أن يبالي بقريش وردود أفعالها، وذلك في قوله تعالى {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينْ} [الحجر- 94] ، وقد كانت هذه الآية إيذانًا لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يبدأ مرحلة تحدي لكفار قريش وهو يمارس دعوته وعبادته جهرًا نهارًا بل حتى في جوف الكعبة دون أن يبالي بكفار قريش.

وقد بدأت هذه الدعوة تؤتي بعض ثمارها بدخول العديد من الناس في الإسلام وما صحب ذلك من تصادم بينهم وبين ذويهم وعشائرهم بسبب مخالفتهم لدين آبائهم واعتناق دين جديد يدعو إلى نبذ آلهتهم المُدَّعاة وتسفيه أحلامهم.

بينما وقف كبراء قريش موقف الدهشة والارتباك أمام هذه الدعوة الجديدة وما زالوا كذلك يبحثون عن موقف موحد لمجابهة هذا الواقع الجديد، خوفًا من تطور الأمور إلى ما لا تُحمد عقباه، فتفلت زمامها من بين أيديهم أمام انتشار هذا الدين الجديد وما يُحدثه من تغييرات جذرية على مستوى النفوس والعلاقات القائمة وأسس حياتهم كلها.

اجتمع كبراء قريش في شأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم للبحث عن وسيلة يصدون بها للدعوة حتى لا يكون لها أثر في نفوس العرب، فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة في هذا الشأن، فقال لهم الوليد: أجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا، قالوا: فأنت فقل، وأقم لنا رأيًا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول: كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزَمْزَمَة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، ما هو بخَنْقِه ولا تَخَالُجِه ولا وسوسته.

قالوا: فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رَجَزَه وهَزَجَه وقَرِيضَه ومَقْبُوضه ومَبْسُوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنَفْثِهِم ولا عقْدِهِم. قالوا: فما نقول؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، [وإن عليه لطلاوة] وإن أصله لعَذَق، وإن فَرْعَه لجَنَاة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر. جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت