قالوا: أرنا رأيك الذي لا غضاضة فيه، فقال لهم: أمهلونى حتى أفكر في ذلك، فظل الوليد يفكر ويفكر حتى أبدى لهم رأيه الذي ذكر آنفًا. [سيرة ابن هشام بتصرف] .
وأنزل الله تعالى في الوليد ست عشرة آية من سورة المدثر {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَر َ* فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر - 11 إلى 26] وصور الله تعالى كيفية تفكيره في قوله: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 18 إلى 25] .
وبعد أن اتفق المجلس على هذا القرار أخذوا في تنفيذه، فجلسوا يعترضون الناس في الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا له أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج يتبع الناس في منازلهم وفي عُكَاظ ومَجَنَّة وذي المَجَاز، يدعوهم إلى الله، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب.
حينما تكون حجة أصحاب الحق أقوى من حجج خصومهم - وهي دومًا كذلك -
{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء - 18] ، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء - 81] ، وحينما لا يجد أصحاب الباطل ما يدافعون به عن باطلهم يلجأون إلى وسائل خسيسة لمحاولة صد الناس عن هذا الحق، ويضعون حواجز مادية ومعنوية بين الدعاة وبين الناس، وأهم هذه الأساليب هو الكذب ونشر الإشاعات من أجل تشويه سمعة الدعاة والدعوة فيُنَفِّرُوا الناس منها ويعزلوا الدعاة ليظلوا ضعفاء وقليلون، ليقولوا كما قال الأولون {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُون * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونْ} [الشعراء 54 - 55] .
وتأتي وسائل الإعلام وكذلك المجال التربوي والثقافي على رأس القائمة لمواجهة الحق وأهله، فسخَّر الطواغيت جنودًا مجندة من الإعلاميين والكتاب والمثقفين والمربين لينشروا تعاليم باطلهم ويركزوا جهودهم على تشويه المنهج الرباني.
هكذا إذن يتوارث الطغاة والكفار هذه الأساليب قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل كأنهم يتواصون بها إلى أن تقوم الساعة، إذ أنه لابد للباطل أن يحمي كيانه المزيف ويحافظ على أسسه الهشة بمزيد من الكذب والبطش حتى تتوارى حقيقته عن أعين الناس فينخدعوا به.