نقف هنا لنقول أن هذه السياسة قديمة في الزمن، وسنة جارية ووسيلة فضلى للطغاة على مر العصور، يُخرجونها كسلاح أخير لإيقاف مسيرات أهل الحق.
فكان من النبي عليه الصلاة والسلام أن اكتفى بتلاوة آيات قرآنية من سورة فصلت لتقذف الرعب في قلب محاوره الوليد بن المغيرة وتهدم كل ما جاء به، ليرجع إلى أصحابه متأثرًا تأثرًا بالغًا بتلك الآيات البينات، ويعرض على كفار قريش أن يخلوا بين محمد وبين ما جاء به، ويتنبأ بأنه سيكون لرسول الله وصحابته شأن عظيم، ونصح قريش بأن تتركه وشأنه.
وبهذا يكون أول انتصار للحكمة والثبات على المبادئ، والمحاور المسلم لابد أن يتسم بمجموعة سمات تساعده على أسر الطرف المحاور والتأثير فيه، منها أدب الاستماع إلى المحاور وسعة الصدر على تحمل أقواله ومطالبه مهما كانت مخالفة للمبادئ التي ندعو لها. وبهذا نضمن قبول الطرف الآخر الاستماع لأقوالنا والتركيز على مقترحاتنا وحججنا، وهذا من شأنه أن يؤثر إيجابًا على نفسية المحاور ويكون سببًا في زعزعة مبادئه وقناعاته التي يحملها، وهذا ما حدث للوليد بن المغيرة مع النبي صلى الله عليه وسلم، حيث رجع بقناعات ونفسية مغايرة للتي جاء بها قبل بدء الحوار.
-اختيار ألفاظ مؤدبة لمخاطبة المحاور لتكون له قدوة حتى وإن خالفك في الرأي والمعتقد.
-الصبر والحلم على تحمل كلام ومنطق المحاور المخالف، وحسن الاستماع له وعدم قطع كلامه وتركه حتى يفرغ من عرض حججه.
-عرض ما جعبتك بكل ثقة ويقين، كاملًا بدون نقص وعدم الإحساس بالخوف من عدم تقبل الطرف الآخر لما تعرضه، وهذا من شأنه أن يشوه دعوتك وتكون سببًا انتشار دعوة ناقصة.
-اللين في الحديث لا يعني الخضوع للطرف الآخر أو التنازل عن مبادئك، بل يعني اختيار أحسن الكلام وانتهاج أفضل الطرق لإيصال ما عندك كاملًا بلا نقصان، كما أن الشدة في الحديث مع المحاور يكون ضررها أكثر من نفعها، وقد يتنازل الداعية عن بعض مبادئه في خضم موجة الغضب التي ترافق حديثه دون أن يشعر.
وكأن رجاء قريش لم ينقطع بما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم عتبة على اقتراحاته؛ لأنه لم يكن صريحًا في الرفض أو القبول، بل تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم آيات لم يفهمها عتبة، ورجع من حيث جاء، فتشاور رؤساء قريش فيما بينهم وفكروا في كل جوانب القضية، ودرسوا كل المواقف بروية وتريث، ثم اجتمعوا يومًا عند ظهر الكعبة بعد غروب الشمس، وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يدعونه، فجاء مسرعًا يرجو خيرًا، فلما جلس إليهم قالوا له مثل ما قال عتبة، وعرضوا عليه نفس المطالب التي عرضها عتبة. وكأنهم ظنوا أنه لم يثق بجدية هذا العرض حين عرض عتبة وحده، فإذا عرضوا هم أجمعون يثق ويقبل، ولكن قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بي ما تَقُولُون، ما جِئْتُكُم بما جِئْتُكُم بِه أَطْلُب أَمْوَالكُم ولا الشَّرف فيكم، ولا المُلْكَ عليكم، ولكنّ الله بَعَثَنِى إلَيْكُم رَسُولًا، وَ أَنْزَلَ علىَّ كِتابًا، وأَمَرَنِي أنْ أَكُونَ