فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 144

لَكُم بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُم رِسَالاتِ ربي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فإِنْ تَقْبَلُوا مِنّى ما جِئْتُكُم بِه فَهُوَ حَظُّكُم في الدُنيا والآخرة، وإنْ تَرُدُّوا علىّ أَصْبِر لأمْرِ الله ِ حتّى يَحْكُم الله ُ بَيْنِى وَ بَيْنَكُم). أو كما قال.

فانتقلوا إلى نقطة أخرى، وطلبوا منه أن يسأل ربه أن يسير عنهم الجبال، ويبسط لهم البلاد، ويفجر فيها الأنهار، ويحيى لهم الموتى ـ ولا سيما قصى بن كلاب ـ فإن صدقوه يؤمنون به. فأجاب بنفس ما سبق من الجواب.

فانتقلوا إلى نقطة ثالثة، وطلبوا منه أن يسأل ربه أن يبعث له ملكًا يصدقه، ويراجعونه فيه، وأن يجعل له جنات وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، فأجابهم بنفس الجواب.

فانتقلوا إلى نقطة رابعة، وطلبوا منه العذاب: أن يسقط عليهم السماء كسفًا، كما يقول ويتوعد، فقال: (ذلك إلى الله، إن شاء فعل) . فقالوا: أما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك ونطلب منك، حتى يعلمك ما تراجعنا به، وما هو صانع بنا إذا لم نقبل.

وأخيرًا هددوه أشد التهديد، وقالوا: أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرف إلى أهله حزينًا أسفا لما فاته ما طمع من قومه.

لقد حاول كفار قريش خلال أسلوبهم الجديد من المفاوضات مع النبي صلى الله عليه وسلم، سواء عبر المفوضات الفردية أو الجماعية الوصول إلى غاية واحدة وأساسية، وهي أن يتنازل الرسول صلى الله عليه وسلم عن بعض مبادئه ويخفف من حدة خطابه بخصوص آلهة القوم.

فحاولوا عرض المال والجاه والسلطان على النبي ظنًا منهم أنها من غاياته من وراء دعوته، واعتقادًا منهم أنهم سيصيبونه في مقتل، ذلك أن المال والسلطة والجاه تعتبر من أشد وأكبر محبوبات النفوس، وعليها يتحاسد الناس ويتباغضون ويتقاتلون، وهي الأسباب الأساسية والدوافع الرئيسية لكل الحروب والصراعات التي حصلت ولا تزال تحصل منذ خلق الله الأرض وحتى قيام الساعة.

ولكن رسول الله صلى الله عليه ترفع عن كل هذا واعتبرها سفاسف لا تستحق أن يُنظر إليها أو أن يفكر في مناقشتها معهم، وهو درس عظيم يستحق أن نقف عنده كثيرًا لأنه هو مركب الأمان للدعوة والدعاة والشرط الأساس لنجاحها وعدم سقوطها في أحضان الطواغيت وشراكهم.

فكل ما نراه اليوم من تنازلات ومفاوضات مع الأعداء وانحرافات عند الكثير من يدّعون أنفسهم من الدعاة ومن حملة هذا الدين، إنما بسبب الوصول إلى السلطة (الحكم) أو تحسين الأوضاع الإقتصادية (المال) أو الفوز بمناصب اجتماعية عالية ومحترمة بحيث يهابُونهم الناس وتكون كلمتهم مسموعة ومحترمة (الجاه) ، هذه هي الشراك التي ينصبها أعداؤنا لنا ونحن عنها غافلون وعن خطرها لامبالون حتى إذا ما سقط بعضنا في هذه الشراك بدأ يبحث عن مبررات يسوغ بها هذه الانتكاسة ويرفع شعارات جوفاء واهية من قبيل مصلحة الدعوة وعدم ترك هذه المناصب لأعدائنا حتى نؤثر في الناس، وكل يوم نرى تنازلات وانحرافات وبُعدٌ عن المبادئ والأصول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت