ذكر ابن قتيبة في حديثه عن أديان العرب في الجاهلية: أن اليهودية كانت في حمير و بني كنانة و بني الحارث بن كعب و كندة و بعض قضاعة. و ذكر نفس الأمر ابن حزم الأندلسي الظاهري في جمهرة أنساب العرب عند حديثة عن نفس الموضوع، و بالمثل ياقوت الحموي في معجمه.
أما صاعد البغدادي الأندلسي، صاحب المصنفات، والذي كان من المقربين من محمد بن أبي عامر المعروف بالمنصور، فقد ذكر صاعد مجموعة من القبائل التي تسربت إليها اليهودية مثل حمير و بني كنانة و بني الحارث بن كعب و كندة. و ذكرت مصادر أخرى أن اليهودية وجدت في بعض الأوس من قبائل الأنصار، و بني نمير و بعض غسان و بعض جذام. بل إن بعض المصادر تذكر أن الآية القرآنية {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة 256،] ، نزلت بسبب أن بعض الأنصار هودوا أولادهم قبل الإسلام و عندما جاء الإسلام أرادوا أن يقسروا أبنائهم على إعتناق الإسلام، فنزلت تلك الآية الكريمة التي تحرم الإكراه في الدين.
إن بني إسرائيل الوارد ذكرهم في التوراة والقرآن الكريم هم بإجماع أهل الاختصاص من نسل سيدنا يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم الخليل، عليهم السلام جميعا. وإبراهيم هو أبو العرب المستعربة من الإسرائيليين والعدنانيين، الذين تنتمي قبيلة قريش إليهم. موطن العرب المستعربة بشقيها الإسرائيلي والعدناني هو غرب شبه الجزيرة العربية، فيما يعرف بالحجاز وتهامة، حيث عاش سيدنا إبراهيم الخليل، عليه السلام في حوالي القرن التاسع عشر قبل الميلاد وقام ببناء الكعبة مع ولده إسماعيل.
يبدو أن شبه الجزيرة العربية قد عاشت في هذه الحقبة التاريخية بالذات عصرها الذهبي وفردوسها المفقود، حيث كانت تحتضن أهم الطرق التجارية العالمية البرية والبحرية. كان الخليج العربي في الشرق والبحر الأحمر في الغرب والبحر العربي في جنوب الجزيرة العربية والموانيء والثغور البحرية العربية المطلة عليها تغص بالسفن، التي تنقل البضائع والتجارة العالمية آنذاك بين حوض البحر الأبيض المتوسط الخاضع للسيادة العربية الكاملة، الأشورية والبابلية والفينيقية والمصرية وبين موانيء الهند والصين. وفي موازاة هذا الممر المائي كان هناك خط بري للقوافل يربط بلاد الشام والعراق ومصر عبر نجد والحجاز باليمن وعمان. في ظل هذا الانتعاش الاقتصادي، الذي شهدته