فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 144

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان يوم الدين، وبعد

نواصل وقفاتنا التربوية على أهم محطات السيرة النبوية، ونعتذر سلفًا لإخواننا عن هذا التوقف الطارئ بسبب ظروف قاهرة، فالحمد لله على نعمه أن وفقنا لمواصلة هذه السلسلة المباركة العطرة، نستقي منها ما ينفعنا وما يلزمنا خلال مسيرتنا الدعوية ورحلتنا إلى الله تعالى في هذا الفضاء الفسيح، الغامض أحيانًا والمظلم في أغلب الأحيان، لذلك وجب الاستعانة بهذه السيرة النورانية لتنير لنا بعض الطريق وتزيل من طريقنا الكثير من العقبات كما أنها ستزيل الكثير من الشبهات وتجيب عن الكثير من التساؤلات العالقة في أذهاننا.

بعد فشل كفار قريش من استرجاع مهاجري الحبشة، وبعد فقدانهم للعلاقة بينهم وبين ملك الحبشة، فجر هذا الفشل ثورة من الغضب والحقد في قلوب قريش وعمدوا إلى تصعيد إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم انتقامًا من هذه النكسة التي لاقوها في الحبشة وانفلات العديد من المسلمين من بطشهم والعيش في أرض الحبشة بأمان وهم يمارسون دينهم بكل حرية.

ومما روت لنا كتب السنة والسيرة من الأحداث التي تشهد القرائن بأنها وقعت في هذه الفترة: أن عتيبة بن أبي لهب أتى يومًا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أكفر بـ {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [1] وبالذي {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [2] ، ثم تسلط عليه بالأذى، وشق قميصه، وتفل في وجهه صلى الله عليه وسلم، إلا أن البزاق لم يقع عليه، وحينئذ دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك) ، وقد استجيب دعاؤه صلى الله عليه وسلم، فقد خرج عتيبة إثر ذلك في نفر من قريش، فلما نزلوا بالزرقاء من الشام طاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: يا ويل أخي هو والله آكلي كما دعا محمد عليّ، قتلني وهو بمكة، وأنا بالشام، ثم جعلوه بينهم، وناموا من حوله، ولكن جاء الأسد وتخطاهم إليه، فضغم رأسه.

ومنها: ما ذكر أن عقبة بن أبي مُعَيْط وطئ على رقبته الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان.

ومما يدل على أن طغاتهم كانوا يريدون قتله صلى الله عليه وسلم ما رواه ابن إسحاق عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: حضرتهم وقد اجتمعوا في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها. فوقف ثم قال: (أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح) ، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد، ويقول: انصرف يا أبا القاسم، فو الله ما كنت جهولًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت