فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 144

فلما كان الغد اجتمعوا كذلك يذكرون أمره إذ طلع عليهم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به، فلقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكر دونه، وهو يبكى ويقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه، قال ابن عمرو: فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشًا نالوا منه قط. انتهي ملخصًا.

وفي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا؛ فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟.

وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال: أدرك صاحبك، فخرج من عندنا وعليه غدائر أربع، فخرج وهو يقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا لا نمس شيئًا من غدائره إلا رجع معنا.

من خلال ما سبق من أحداث يمكننا القول والجزم أن الله تعالى حافظ رسوله صلى الله عليه وسلم وعاصمه من كيد الكفار، لاشك في هذا ولا مراء لأن رسول الله يعتبر رمز لهذه الدعوة، ووجوده سبب في استمراريتها حتى تبلغ أهدافها كلها، فلا غرابة أن نجد ونرى هذه العناية الربانية الخاصة لرسوله الكريم، ولكن في الوقت ذاته نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عانى ونال من الأذى المادي والمعنوي ما لم ينله غيره من الصحابة والأتباع، لكي ندرك حقيقة أخرى قد نغفل عنها كثيرًا خلال حركتنا بهذا الدين، وهي أن المسلم لا ينال ما يناله عند الله من رفعة وكرامة إلا بالصبر والتضحية، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وسيدهم ينال كل هذا الأذى والعنت ليكون قدوة لغيره، وليرسخ مبدأ التضحية كشرط أساسي في سبيل استمرار الدعوات وبلوغها أهدافها وتحقيقها لغاياتها.

فلا معنى إذن لدعوة بدون اختلاط بالناس وبالواقع ثم تدافع مع قوى الباطل وصبر على تبعات هذا التدافع حتى يفتح الله بين الطرفين بالحق وهو أحكم الحاكمين.

ثم إن من ثمار الصبر والثبات على الحق أن الله تعالى يفتح قلوبًا جديدة على الدعوة ويدخل في دين الله قوم ما كنا نتوقع أبدًا أن يؤمنوا لبعدهم عن هذا الدين ولشدة بأسهم وبطشهم بالدعاة والدعوة، لكن الله تعالى وهو مالك القلوب والمتصرف فيها يقلبها كيف يشاء، فيأذن لهؤلاء بالهداية وتتحول شدتهم على المؤمنين إلى رحمة ورحمتهم على الكفار إلى شدة، فسبحان مقلب القلوب ومجري الأمور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت