فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 144

فأخذ النجاشي عودًا من الأرض ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته، فقال: وإن نَخَرْتُم والله.

ثم قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي ـ والشيوم: الآمنون بلسان الحبشة ـ من سَبَّكم غَرِم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دَبْرًا من ذهب وإني آذيت رجلًا منكم ـ والدبر: الجبل بلسان الحبشة.

ثم قال لحاشيته: ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه.

قالت أم سلمة التي تروي هذه القصة: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.

هذه رواية ابن إسحاق، وذكر غيره أن وفادة عمرو بن العاص إلى النجاشي كانت بعد بدر، وجمع بعضهم بأن الوفادة كانت مرتين. ولكن الأسئلة والأجوبة التي ذكروا أنها دارت بين النجاشي وبين جعفر بن أبي طالب في الوفادة الثانية هي نفس الأسئلة والأجوبة التي ذكرها ابن إسحاق هنا، ثم إن تلك الأسئلة تدل بفحواها أنها كانت في أول مرافعة قدمت إلى النجاشي.

أعود لأقف بعض الوقفات على هذا الحوار الرائع بين النجاشي وجعفر وعمرو بن العاص، وهي أشبه بمعركة كلامية سيتحدد فيه مصير تلك العصبة المهاجرة، إما تستقر في الحبشة محتفظة بدينها في امن وأمان وإما تعود مكبلة إلى كفار قريش ليفتنوها في دينها.

بدأ النجاشي حواره بالسؤال عن هذا الدين الجديد المبتدع الذي لا يعرفه لا هو ولا بقية الملل، فالمسألة الأولى التي ينبغي أن ننتظرها خلال تحركنا بهذا الدين هو تساؤلات الناس المتنوعة عن حقيقة ديننا وغاياته وننتظر أيضًا الشبهات العديدة التي يلقيها أعداؤنا وحتى بعض العوام جهلًا أو بحسن نية، وهذا يتطلب بالتالي أن يكون المسلم ملمًا بدينه، قادرًا على عرض تعاليم دينه بأسلوب ميسر وواضح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت