وهذا ما فعله جعفر رضي الله عنه بكل ذكاء وحكمة، حيث عرض في البداية مساوئ الجاهلية التي كانوا فيها قبل الإسلام ومدى بعدهم عن الفطرة والقيم الإنسانية ومخالفتهم لها عبر الأعمال والأعراف التي كانت سائدة حينئذ، ثم انتقل بعد ذلك إلى وصف أصل وحسب النبي صلى الله عليه وسلم وخلقه الرفيع حتى قبل ادعائه للنبوة، ثم سرد ما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم من التوحيد ونبذ الشرك وترك كل المنكرات الجاهلية وحثنا على مكارم الأخلاق وصلة الأرحام وحسن الجوار ورفع الظلم، كما ذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، و هذه الفرائض كلها موجودة في دين المسيحية وكان يعرفها النجاشي وبطارقته جيدًا، مما أثر عليهم إيجابًا ولم يجد النجاشي بدًّا في الإعجاب بهذا الدين والاهتمام به منذ أول وهلة.
بعد هذا ركز جعفر رضي الله عنه على ردود أفعال كفار قريش اتجاه هذا الدين الجديد وطريقة تعاملهم مع أتباعه، حيث قهروهم وظلموهم وضيقوا عليهم وعذبوهم، وحالوا بينهم وبين دينهم الجديد، وهذا التعامل قد لقي مثله أتباع عيسى عليه السلام على أيدي الوثنيين واليهود من قبل، فهو إثارة لجرح قديم وضرب على وتر حساس لا يمكن أن يبقى النجاشي أمامه سلبيًا، بل بالعكس تمامًا فقد دفعه هذا الكلام للتعاطف مع المسلمين والحقد على كفار قريش ووضعهم في نفس الخانة مع الذين عذبوا عيسى عليه السلام وأتباعه قبل قرون. ثم إن جعفرًا قد مدح النجاشي ووصفه بالعدل وبغضه للظلم وإنصافه للمظلوم بناءً على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجرين وهم بعد في مكة: إذهبوا إلى الحبشة فإن بها ملك لا يُظلم عنده أحد.
وهذه الكلمة كان لها وقع خاص على نفس النجاشي وذكَّرته بأهم صفة فيه حتى لا ينساها في خضم الشبهات والاتهامات التي حاول عمرو بن العاص إلصاقها بالمسلمين وكذلك تأثير تلك الهدايا التي قدمها للملك ولوزرائه التي لا يمكن نفي تأثيرها على نفوس القوم.
ولكن الطبع يغلب التطبع كما يُقال، والرجل الشريف لا يمكن أن ينسى أصله وكرمه مهما تعرض له من ضغوط آنية.
لا ننسى أيضًا تأثير تلك الآيات البينات التي تلاها جعفر رضي الله عنه من صدر سورة مريم، وهي آيات لها ما لها من وقع إيماني على نفس الملك وكل من حوله من بطارقته ومستشاريه، حقائق مذهلة ونادرة عن حياة زكريا ويحيى عليهما السلام كما تطرقت أيضًا إلى ذكر مريم عليها السلام ومعجزة حملها وميلاد عيسى عليه السلام.
كل هذه الحقائق التاريخية والعقدية كانت سببًا مباشرًا في تأثر الملك من دين الإسلام وكتابه الحكيم، وقد صدّق القرآن الكريم ما جاء في الإنجيل حول أنبياء الله السابقين ومنهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، مما دعاه إلى الاعتراف أمام الملأ كلهم بأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام يخرج من مشكاة واحدة، وهو يقصد أن القرآن والإنجيل كلاهما كلام الله المعجز، مع تسجيل تحفظنا على حقيقة النسخة الموجودة آنذاك من الإنجيل، ولكننا نقصد النسخة الأصلية بلا شك.