عندئذ أمر النجاشي المهاجرين بالمكوث في أرضه آمنين ومن سبهم غرم، كما رفض تسليمهم لعمرو بن العاص وصاحبه عبد الله بن أبي ربيعة ولو بجبل من ذهب.
هذه هي قيمة المؤمن في دنيا الناس، خاصة لدى الذين يدركون حقيقة الإيمان وما يفعله في النفوس، وإلا فإن قيمة المؤمن عند الله أكثر من هذا بكثير، فحرمته تفوق حرمة بيته الحرام، ومن أجله خلق وسخر السماوات والأرض وما فيهن، فكيف يزهد هؤلاء الحكام المرتدون في هؤلاء المؤمنين، بل كيف يسومونهم سوء العذاب ويجندون شياطين الإنس والجن لفتنتهم عن دينهم وصدهم عن السبيل، ولو علموا حقيقتهم لملكوا بهم الدنيا بحذافيرها، شرط أن يؤمنوا بالله وحده ويحكموا شرعه، ولكنهم قوم لا يفقهون.
لم يستسلم عمرو لهذا الواقع ولم يرض بهذه الهزيمة، بل إنه وعد صاحبه عبد الله بن أبي ربيعة بأن يأتي للنجاشي بما يبيد خضراءهم.
شبهة حول حقيقة عيسى يحسب أنها ستكون القاصمة على المسلمين، ليُخْبِرَنَّ الملك أن المسلمين يزعمون أن عيسى بن مريم عبدٌ من عباد الله وليس ابنه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
صار المسلمون أمام أمر واقع وبين خيارين لا ثالث لهما، الأول: الاعتراف أمام الملك وأتباعه بحقيقة عبودية عيسى بن مريم عليهما السلام وأنه لا يعدو كونه نبيًا ورسولًا مخالفين بذلك معتقد النصارى في كون عيسى ابن الله، وهذا موقف مبدئي يؤيدون به ما جاء في القرآن الكريم على لسان نبيه الكريم، وهو خيار من شأنه أن يقلب كل الموازين السابقة ويهدم كل المكتسبات التي حصلوا عليها بالأمس فينقلب عليهم الملك ويسلمهم لكفار قريش، أو الخيار الثاني وهو نفي ذلك والتستر وراء الكذب ومخالفة النصوص الشرعية من أجل النجاة وتفادي احتمال الطرد والتسليم.
وهذا لعمري امتحان صعب ومتكرر قد يصادفه كل موحد في هذه الحياة وبخاصة في صراعه مع أعدائه وحتى مع مخالفيه.
المؤمن الداعية له غايات عديدة، أسماها هي رضا الله عز وجل ونصرة هذا الدين بكل ما يملك {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} ، فالعقد الذي بيننا وبين الله يحتم علينا في كثير من الأحيان أن نضحي بأنفسنا كحد أقصى وأموالنا كحد أدنى، وفي الوقت ذاته يتمنى المؤمن أن يكون سببًا في هداية الخلق أجمعين لكنه لابد من سلك السبل الصحيحة واستعمال الوسائل الشرعية لبلوغ هذه الغايات.