فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 144

وحينما يُعرض على المؤمن أمران فإنه يضعهما في ميزان الشرع ثم يقوم بعملية الاختيار بعد ذلك، فما وافق الشرع أخذ به ومضى في تنفيذه ولو تطلب منه تضحيات جسيمة تصل إلى حد إزهاق النفس في سبيل تحقيقه، وما خالفه ضرب به عرض الحائط ولو كان سببًا في كسب الدنيا بحذافيرها ما دام لا يرضي الله عز وجل.

هذه هي القاعدة التي يتبعها المؤمن ويلتزم بها في أمور دينه ودنياه {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}

فليس أمام المؤمن الصادق خيار غير طاعة الله ورسوله، وليس مطالبًا للبحث عن حلول وسط مخالفة للشرع ليحقق بها بعض المصالح التي قد تبدو له نافعة للدين. لأن مصلحة الدين تكمن في طاعة الله ورسوله وما عدى ذلك فكله خراب ومفسدة.

والله سبحانه يبتلينا أحيانًا بسد كل الأبواب الشرعية في وجوهنا ويترك لنا أبوابًا أخرى كلها مشبوهة لينظر كيف نعمل، أنصبر ونحتسب لله عز وجل حتى نُفَوِّتَ هذه المصالح جميعًا لأنها مخالفة لما أمر الله به ورسوله؟ أم ترانا نسقط في الامتحان الأول فنلهث وراء تحقيق مصالح موهومة على حساب مبادئنا وقيمنا؟

لقد قرر جعفر وأصحابه - بعد مشاورة مسبقة - أن يقولوا الحق في مسألة عيسى عليه السلام وليكن ما يكون بعد ذلك، ما دام أن ذلك هو الحق وهو الموافق لكتاب الله وما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، فهم هنا في بلاد الحبشة سفراء وممثلون لهذا الدين، جاءوا فرارًا بدينهم ليحافظوا عليه وليس رغبة في دنيا يصيبونها، وعليه فإن كل عمل من شأنه أن يُخِلُّ بهذه الغايات وهذه المبادئ يُعتبر باطلًا، ومن شأنه أن يكون سببًا لسخط الله عز وجل وسببًا لجلب الأضرار أو المفاسد التي يهربون منها وذهاب المصالح أو المنافع التي يطلبونها.

وهذا ما تم بالفعل حيث اعترف النجاشي وخضع للحق الذي نزل من عند الله، وخرج على معتقدات النصارى المحرفة في حقيقة عيسى عليه السلام، رغم معارضة البطارقة لهذا الموقف لكنه أصر عليه وتحداهم، فرد على عمرو بن العاص وصاحبه هداياهم ورجعا خائبين إلى مكة وقد خسرا معركة استرداد المهاجرين كما خسرا العلاقة الوطيدة والسياسية التي كانت تربط قريش بالنظام الحاكم في أرض الحبشة، وهذه تُعد خسارة كبرى لأنها ذات بعدين.

فنصر الله النجاشي على مخالفيه ومعارضيه وثبت ملكه كما نصر المهاجرين وفتح عليهم دار الحبشة لتكون موطن أمن وأمان لهم وللدعوة الإسلامية إلى أن يشاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت