ويوجهه إلى التطهر: (وثيابك فطهر) . . وطهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب والخلق والعمل. . طهارة الذات التي تحتويها الثياب , وكل ما يلم بها أو يمسها. . والطهارة هي الحالة المناسبة للتلقي من الملأ الأعلى. كما أنها ألصق شيء بطبيعة هذه الرسالة. وهي بعد هذا وذلك ضرورية لملابسة الإنذار والتبليغ , ومزاولة الدعوة في وسط التيارات والأهواء والمداخل والدروب ; وما يصاحب هذا ويلابسه من أدران ومقاذر وأخلاط وشوائب , تحتاج من الداعية إلى الطهارة الكاملة كي يملك استنقاذ الملوثين دون أن يتلوث , وملابسة المدنسين من غير أن يتدنس. . وهي لفتة دقيقة عميقة إلى ملابسات الرسالة والدعوة والقيام على هذا الأمر بين شتى الأوساط , وشتى البيئات , وشتى الظروف , وشتى القلوب!
ويوجهه إلى هجران الشرك وموجبات العذاب: (والرجز فاهجر) . . والرسول صلى الله عليه وسلم كان هاجرا للشرك ولموجبات العذاب حتى قبل النبوة. فقد عافت فطرته السليمة ذلك الانحراف , وهذا الركام من المعتقدات الشائهة , وذلك الرجس من الأخلاق والعادات , فلم يعرف عنه أنه شارك في شيء من خوض الجاهلية. ولكن هذا التوجيه يعني المفاصلة وإعلان التميز الذي لا صلح فيه ولا هوادة. فهما طريقان مفترقان لا يلتقيان. كما يعني التحرز من دنس هذا الرجز - والرجز في الأصل هو العذاب , ثم أصبح يطلق على موجبات العذاب - تحرز التطهر من مس هذا الدنس!
ويوجهه إلى إنكار ذاته وعدم المن بما يقدمه من الجهد , أو استكثاره واستعظامه: (ولا تمنن تستكثر) . . وهو سيقدم الكثير، وسيبذل الكثير، وسيلقى الكثير من الجهد والتضحية والعناء. ولكن ربه يريد منه ألا يظل يستعظم ما يقدمه ويستكثره ويمتن به. . وهذه الدعوة لا تستقيم في نفس تحس بما تبذل فيها. فالبذل فيها من الضخامة بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه. بل حين لا تستشعره من الأصل لأنها مستغرقة في الشعور بالله، شاعرة بأن كل ما تقدمه هو من فضله ومن عطاياه.