جاء إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما كأنه انقلاب مباغت داخل مكة على إرادة كفار قريش للبطش بالمسلمين وبرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص، حيث كانوا يهيئون أكثر من خطة لقتله صلى الله عليه وسلم.
وسوف تظل هذه النماذج حية في حياة الدعوة على مر العصور، وقابلة للتكرار في أي وقت، وما على المسلمين إلا الثبات على دينهم ومواصلة دعوتهم بنفس الوتيرة التي بدأوها، فيفتح الله نفوس وقلوب أشخاص لهم قوة الشخصية وملكات كثيرة تنفع بها مسيرة الدعوة وقادرة على إحداث خلل كبير وشرخ عظيم في أوساط الجاهلية من حولنا، كما أنها ستساهم في دفع مسيرة الحق خطوات كبيرة إلى الأمام.
وهذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه المشهور:"خياركم في الجاهلية، خياركم في الإسلام إذا فقهوا"، يصب في هذا الإتجاه.
فما ينبغي أن نفقهه جيدًا هو أن المحيط الجاهلي المنحرف الذي نتحرك فيه، تجد فيه الكثير من الخير والمنفعة لهذا الدين، وفيه الكثير من الطاقات المخفية أو المهمشة لها كامل الاستعداد لتلعب دورًا بارزًا في مسيرة التغيير، فما علينا إلا أن نغوص في أعماق هذه الجاهلية لنكتشفها ونستقطبها وننتشلها انتشالًا لتلتحق بقافلة التوحيد.
ومن هنا ندرك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره لنا في قوله:"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، [8] فالمطلوب أيها الإخوة هو أن ننغمس في المجتمعات ونخالط الناس لنكتشف معادنهم الخيرة وفطرهم السليمة فننقذهم ونحررهم مما هم فيه من ريب وتردد أو خوف وتهيب.
قريش تطرق باب المفاوضات
ممثل قريش بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم
بعد إسلام عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما، تقوت شوكة المسلمين وقذف الله الرعب في قلوب المشركين لما لهذه الرجلين من قوة وشكيمة في قومهما، فكأن قوة قريش وعزيمتهم في محاربة المسلمين ومواصلة إيذائهم قد خارت، وكأن لسان حالهم يقول: ماذا نفعنا هذا التصعيد ضد محمد وصحبه سوى تشبثهم أكثر بعقيدتهم وانضمام رجال جدد كل يوم إلى صفوفهم.
وراحوا يراجعون أنفسهم ويحاولون البحث عن وسيلة جديدة لإيقاف هذا المد الجارف الذي يوشك أن يهدم ما تبقى من عروشهم وسلطتهم في مكة وما حولها. فاتفقوا على بدء سلسلة من المفاوضات مع النبي صلى الله عليه وسلم لعلها تحقق بعضًا من مكاسبهم التي لم يستطيعوا تحقيقها بالقوة.
قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدًا، قال يومًا ـ وهو في نادى قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثرون ويزيدون، فقالوا: بلى، يا أبا الوليد، قم إليه، فكلمه، فقام إليه عتبة، حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَةِ في