فالناس بحاجة دومًا إلى من ينتشلهم من هذه الجاهلية ويأزُّهم أزًا لكي يفيقوا من غفوتهم ويرجعوا إلى فطرتهم، فيقرروا مصيرهم قبل فوات الأوان، فإما طريق النجاة وإما طريق الخسران.
والدعوة تكون عامة وخاصة، يبدأ الداعية بأقرب الأقربين ثم ينتقل إلى الآخرين ويختار الأسلوب الأنسب ولكنه يعرض كل ما في دعوته دون أن ينقص منها شيئًا خوفًا من تكذيب الناس له أو طمعًا في استدراجهم بعرض ما يوافق أهواءهم فقط، فهذا الأسلوب يضر أكثر مما ينفع وليس مما يرضاه الله ويباركه لأنه يعود على الدعوة والداعية بالضرر الكبير والخسران المبين ويتسبب في تمييع الدعوة وانتكاستها.
فالمطلوب منا أن نعرض مبادئنا كلها ونبين معالم الطريق بكل وضوح كما ينبغي أن نبين تبعات الدعوة ومشقات الطريق منذ البداية ليعلم الناس ما ينتظرهم فيؤمن من يؤمن عن بينة أو يكفر من يكفر عن بينة، وإن الله لسميع عليم.
إن طريق الدعوة مليء بالأشواك والعقبات ولا يظنن الداعية أن الأمور ستسير دائمًا كما يتمنى، بل قد يفاجأ بمعارضة أقرب الناس إليه ومعاداتهم لدعوته، كما فعل أبو لهب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان الوحيد المعارض من بين الناس جميعًا في لقاء جبل الصفا.
والواقع يعزز هذه الحقيقة في كل زمان ومكان حيث نرى تكذيب الكثير من الدعاة والمصلحين ومحاربتهم من قبل ذويهم وعشائرهم، فيسخر الله لهم أنصارًا من الأبعدين لينصروهم ويآزروهم ويؤووهم.
فهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نثر بذور دعوته من على جبل الصفا، ولكل زمان جبله المناسب للمحيط الذي يتحرك فيه الدعاة وكذلك المناسب لنفوس الناس من حوله، والداعية لا يأبه كثيرًا بردود أفعال الناس بقدر ما يهمه أنه قد بلَّغ كل ما جعبته ولم يُبق شيئًا خوفًا من تكذيب الناس له أو رفض بعض ما سيعرضه عليهم، {يَا أَيُّهَا النَبِيُّ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة - 67] ، فما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفي شيئًا من أمور دعوته أبدًا.
وهذا هو الدرس الأكبر والأهم الذي ينبغي استيعابه من طرف الدعاة اليوم، حيث نراهم ينتقون من أمور الدعوة ويحاولون عرض ما يناسب أهواء الناس ويتحاشون الاصطدام معهم ومع أعرافهم وعاداتهم حتى يُقبلوا على دعوتهم ويَقبلوها فيصبحوا من أنصارهم ويوسعون حلقات علمهم وإن كان في ذلك تنقيص للدعوة وتبعيضها.
(يراجع في هذا المقام تفصيل هذه النقطة في مقالنا:"ودوا لو تدهن فيدهنون") .