ولما تم هذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا، ولا يذكر عنهم أي ردة فعل، سوى أن أبا لهب واجه النبي صلى الله عليه وسلم بالسوء، وقال: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [سورة المسد: 1] .
نقف الآن على بعض العبر والدروس التربوية فنقول وبالله التوفيق:
أولًا: لابد للداعية أن يبحث عن منبر عال وموقع معروف لكي يمارس عليه دعوته ويحاول الوصول إلى قلوب الناس، وجبل الصفا هنا رمز لهذا العلو والارتقاء لكي يكون الداعية في موقع مريح يلقي من خلاله كلمته وهو يغلب على ظنه أنها ستبلغ أكبر عدد ممكن من الناس.
وجبل الصفا اليوم قد يكون عبارة عن القيمة الاجتماعية والأخلاقية والتربوية للداعية وسط المحيط الذي يتحرك فيه، لابد أن يصنعه يومًا بعد يوم بتعاملاته الطيبة ووقوفه إلى جانب المحتاجين وحكمته في التعامل مع غيره، حتى إذا حان موعد نشر دعوته لقي آذانًا صاغية واحترامًا وقبولًا من طرف المدعوين.
فهذا المنبر يصنعه ويبنيه الداعية بعمله المتواصل الدءوب في محيطه وانغماسه وسط الناس والاختلاط بهم وبهمومهم، وعدم الاستعلاء على الناس والانزواء في ركن بعيد عنهم بحجة أنك أعلم منهم أو أن مستواك دون مستواهم، كما يفعل الكثير ممن يحسبون أنفسهم دعاة وهم في حقيقة الأمر أقرب منهم إلى تنفير الناس من هذا الدين بسبب ما فيهم من غرور وكبر وتميز مذموم عن الآخرين.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان حكيمًا في طريقة استدراج القوم ولفت انتبهاهم لما سيأتي من كلام:"أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِيَ؟)."
فما وراء الجبل خاف عن أعين القوم ولا يراه إلا هو صلى الله عليه وسلم، كذلك الكثير من أمور الدعوة وغاياتها لا تكون واضحة في بداية الأمر في أعين الناس، ولابد من إيجاد سبل واضحة وسهلة لإيصالها لهم وإقناعهم بها.
ولاشك أن الإخبار عن هجوم مباغت للعدو أمر مهول يثير اهتمام الجميع ويخلق حالة استنفار قصوى في النفس وتجعلها متنبهة ويقظة إلى أبعد حد، ولله المثل الأعلى، حيث أن الداعية يكون نذيرًا للناس لما هو أخطر من العدو المباغت، فهو نذير بين يدي عذاب أليم إن لم يؤمنوا بربهم ويعبدوه حق عبادته، وأسلوب الترهيب من أهم الأساليب التي تؤثر على النفوس إلى جانب أسلوب الترغيب، فالله هو الذي خلق هذه النفس وهو أعلم بما يناسبها {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخْبَيِرْ} [الملك -14] .