-المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) التَّعَامُلُ مَعَ الجنِّ لَا يَجُوْزُ - وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا [1] -، وَدَلَّتْ لِذَلِكَ أُمُوْرٌ:
1)أَنَّ اسْتِمْتَاعَ الجِنِّيِّ بِالإِنْسِيِّ؛ وَالإِنْسِيِّ بِالجِنِّيِّ مُحَرَّمٌ فِي نُصُوْصِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيْعًا يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيْ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِيْنَ فِيْهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيْمٌ عَلِيْمٌ} (الأَنْعَام:128) ، وَلَمْ يَأْتِ مَا يُخَصِّصُ هَذِهِ الآيَةَ، وَالاسْتِعَاذَةُ بِهِم هِيَ مِنْ جِنْسِ الاسْتِمْتَاعِ بِهِم.
2)أَنَّ تَسْخِيْرَ الجِنِّ هُوَ مِمَّا خُصَّ بِهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَا يَجُوْزُ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ. كَمَا ورَدَ فِي صَحِيْحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ البَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي؛ فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ؛ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ} (ص:35) فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا). [2] [3]
3)أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِيْنَ دَعَا الجِنَّ إِلَى الإِسْلَامِ نَهَى ابْنَ مَسْعُوْدٍ عَنْ تَكْلِيْمِهِم، وَنَهَاهُ أَنْ يَبْرَحَ مَكَانَهُ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ التَّعَامُلِ مَعَهُم، كَمَا فِي الحَدِيْثِ (صَلَّى رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العِشَاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ حَتَّى خَرَجَ بِهِ إِلَى بَطْحَاءِ مَكّةَ فَأَجْلَسَهُ ثُمَّ خَطَّ عَلَيْهِ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ:(لَا تَبْرَحَنَّ خَطَّكَ؛ فَإِنَّهُ سَيَنْتَهِي إِلَيْكَ رِجَالٌ؛ فَلَا تُكَلّمْهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَلّمُوْكَ ) ) . [4] [5]
وَفِي الأَثَرِ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَصْلِحُوا عَلَيْكُمْ مَثَاوِيْكُمْ، وَأَخِيْفُوا هَذِهِ الجِنَّانَ قَبْلَ أَنْ تُخِيْفَكُمْ، فَإِنَّهُ لَنْ يَبْدُوَ لَكُمْ مُسْلِمُوْهَا، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ عَادَيْنَاهُنَّ) [6] ، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ (فَإِنَّهُ لَنْ يَبْدُوَ لَكُمْ مُسْلِمُوْهَا) .
(1) وَلَوْ كَانَ المَقْصُوْدُ هُوَ اسْتِخْدَامَ الجِنِّ المُسْلِمِ بِغَرَضِ العِلَاجِ مِنَ المَسِّ، أَوْ فِي قَضَاءِ حَاجَاتِ المُسْلِمِيْنَ، وَذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ العَمَلِيَّةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَصْحَابِهِ الكِرَامِ. اُنْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّوْرِ (ش455) لِلشَّيْخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، وَاُنْظُرْ أَيْضًا أَشْرِطَةَ شَرْحِ العَقِيْدَةِ الوَاسِطِيَّةِ (ش28) لِلشَّيْخِ صَالِحِ الفَوْزَانِ حَفِظَهُ اللهُ، وَاُنْظُرْ أَيْضًا أَشْرِطَةَ شَرْحِ العَقِيْدَةِ الوَاسِطِيَّةِ (ش4) لِلشَّيْخِ عَبْدِ العَزِيْزِ بْنِ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ، خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ - أَوْ مَا قَدْ يُفْهَمُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ - كَمَا هُوَ مَذْكُوْرٌ فِي مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى (87/ 13) حَيْثُ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: (النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُوْلِهِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ الْإِنْسُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيَأْمُرَهُمْ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُوْلُهُ وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ كَمَا يَأْمُرُ الْإِنْسَ وَيَنْهَاهُمْ، وَهَذِهِ حَالُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَالُ مَنْ اتَّبَعَهُ وَاقْتَدَى بِهِ مِنْ أُمَّتِهِ؛ وَهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ، فَإِنَّهُمْ يَأْمُرُونَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ) . وَرَاجِعْ لِزَامًا كَلَامَ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي أَشْرِطَةِ شَرْحِ العَقِيْدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (ش49) فِي بَيَانِ تَوْجِيْهِ كَلَامِ شَيْخِ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ.
(2) البُخَارِيُّ (3423) .
(3) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (459/ 6) : (وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَرَكَهُ رِعَايَةً لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ) .
(4) صَحِيْحٌ. التِّرْمِذِيُّ (2861) . صَحِيْحُ التِّرْمِذِيِّ (2861) .
(5) وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (389) عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ (أَرْسَلَنِي أَبِي إلَى بَنِي حَارِثَةَ - وَمَعِي غُلَامٌ لَنَا أَوْ صَاحِبٌ لَنَا - فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ، قَالَ: وَأَشْرَفَ الَّذِيْ مَعِي عَلَى الحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي فَقَالَ: لَوْ شَعَرْتُ أَنَّك تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ، وَلَكِنْ إذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:(إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَلَّى وَلَهُ حِصَاصٌ ) ) . وَالحِصَاصُ هُوَ الضُّرَاطُ.
وَأَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ هُوَ ذَكْوَانُ: تَابِعِيٌّ مِنَ الوُسْطَى، وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وَالشَّاهِدُ هُنَا قَوْلُ ذَكْوَان (لَوْ شَعَرْتُ أَنَّك تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ) .
(6) حَسَنٌ. صَحِيْحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (347) .