د) التَّبَرُّكُ بِالمَوَاضِعِ الَّتِيْ جَلَسَ عَلَيْهَا أَوْ صَلَّى فِيْهَا. وَهَذِهِ الفَقَرَةُ يُبْنَى فَهْمُهَا عَلَى مَعْرِفَةِ حَالَيْنِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ هَذِهِ المَوَاضِعِ:
الأَوَّلُ) مَا قَصَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ العِبَادَاتِ فِي مَكَانٍ مَا [1] ؛ فَإِنَّهُ يُشْرَعُ قَصْدُهُ - اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَبًا لِلأَجْرِ. [2]
الثَّانِي) مَا حَصَلَ اتِّفَاقًا، أَيْ: لَمْ يَتَقَصَّدْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ تَقَصُّدُه. [3]
قَالَ المَعْرُوْرُ بْنُ سُوَيْدٍ الأَسَدِيُّ؛ خَرَجْتُ مَعَ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِيْنَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا صَلَّى بِنَا الغَدَاةَ، ثُمَّ رَأَى النَّاسَ يَذْهَبُوْنَ مَذْهَبًا، فَقَالَ: أَيْنَ يَذْهَبُ هَؤلَاءِ؟ قَيْلَ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ! مَسْجِدٌ صَلَّى فِيْهِ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ يَأْتُوْنَهُ يُصَلُّوْنَ فِيْهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بِمِثْلِ هَذَا - يَتَّبِعُوْنَ آثَارَ أَنْبِيَائِهِم، فَيَتَّخِذُوْنَهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا -، مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ المَسَاجِدِ فَلْيُصَلِّ؛ وَمَنْ لَا فَلْيَمْضِ، وَلَا يَتَعَمَّدْهَا. [4]
وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ السَّالِفِ فِي النَّهْي عَنْ تَتَبُّعِ الآثَارِ هُوَ مِنَ الحَقِّ الَّذِيْ جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ [5] : (وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ المَدِيْنَةِ يَكْرَهُوْنَ إِتْيَانَ تِلْكَ المَسَاجِدِ وَتِلْكَ الآثَارِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ مَا عَدَا قُبَاءَ وَحْدَهُ) . [6]
(1) كَالصَّلَاةِ خَلْفَ مَقَامِ إِبْرَاهِيْمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ فِي صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، أَوْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، أَوْ ....
(2) هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيْهِ شَدُّ رَحِلٍ (أَيْ: سَفَرٌ) ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ.
وَفِي الحَدِيْثِ الَّذِيْ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ (1430) - وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي الإِرْوَاءِ (141/ 4) - أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيْتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الغِفَارِيَّ فَقَالَ: منْ أَيْنَ جِئْتَ. قُلْتُ: مِنَ الطُّوْرِ. قَالَ: لَوْ لَقِيْتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَهُ لَمْ تَأْتِهِ. قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: إِنِّيْ سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ: (لَا تُعْمَلُ المَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: إِلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَإِلَى مَسْجِدِي هذَا، وَإِلَى مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ) . وَالحَدِيْثُ أَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (1189) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا.
قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (أَحْكَامُ الجَنَائِزِ) (ص226) : (عَنْ قَزَعَةَ قَالَ: (أَرَدْتُ الخُرُوْجَ إِلَى الطُّوْرِ فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إَلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى) ، وَدَعْ عَنْكَ الطُّوْرَ فَلَا تَأْتِهِ). أَخْرَجَهُ الأَزْرَقِيُّ فِي (أَخْبَارِ مَكَّةَ) (ص 304) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيْحِ، وَأَوْرَدَ المَرْفُوْعَ مِنْهُ الهَيْثَمِيُّ فِي (المَجْمَعِ) (4/ 4) وَقَالَ: (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيْرِ وَالأَوْسَطِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ) ) .
(3) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (428/ 3) :(وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ مَشْهُوْرًا بِتَتَبُّعِ آثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ ذَلِكَ صَلَاتُهُ فِي المَوَاضِعِ الَّتِيْ كَانَ يُصَلِّي فِيْهَا. وَهِيَ عَلَى نَوْعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْصُدُهُ لِلصَّلَاةِ فِيْهِ، كَمَسْجِدِ قُبَاءَ، وَيَأْتِيْ ذِكْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الكِتَابِ؛ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: مَا صَلَّى فِيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّفَاقًا لِإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ لَهُ عِنْدَهُ، فَهَذَا هُوَ الَّذِيْ اخْتَصَّ ابْنُ عُمَرَ بِإِتِّبَاعِهِ).
قُلْتُ: وَقَوْلُ الحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ (اخْتَصَّ) فِيْهِ بَيَانُ تَفَرُّدِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ دُوْنَ سَائِرِ الصَّحَابَةِ بِهَذَا الفِعْلِ - خَاصَّةً أَبُوْهُ الفَارُوْقُ -.
(4) صَحِيْحٌ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي المُصَنِّفِ (7550) . اُنْظُرْ تَخْرِيْجَ أَحَادِيْثِ فَضَائِلِ الشَّامِ وَدِمَشْقَ (ص50) لِلشَّيْخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ.
(5) هُوَ مُحَدِّثُ الأَنْدَلُسِ مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاح القُرْطُبِيُّ (ت 280 هـ) تَقْرِيْبًا؛ فِي كِتَابِهِ (البِدَعُ وَالنَّهْيُ عَنْهَا) (ص41) .
(6) فِي الأَصْلِ (قُبَاءَ وَأُحُدًا) ، وَالمَقْصُوْدُ بِـ (أُحُد) زِيَارَةُ قُبُوْرِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَالسَّلَامُ عَلَى أَهْلِهَا، وَالَّذِيْ أَثْبَتُّهُ هُوَ مِنْ نَقْلِ الِاعْتِصَامِ (449/ 1) (قُبَاءَ وَحْدَهُ) .