فهرس الكتاب

الصفحة 599 من 634

5)أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بَلْ وَرَدَ عَنْهُم النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ. فَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيْءُ إِلَى فُرْجَةٍ كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَيَدْخُلُ فِيْهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيْدًا، وَلَا بُيُوْتَكُمْ قُبُوْرًا، فَإِنَّ تَسْلِيْمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَمَا كُنْتُمْ) . [1]

6)أَمَّا بِخُصُوْصِ دُعَاءِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الخِطَابِ أَنْ يَكُوْنَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَامِعًا لِمَنْ خَاطَبَهُ أَصْلًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُوْنَ حَاضِرًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُوْنَ قَادِرًا عَلَى المَطْلُوْبِ لِكُلِّ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ. [2]

بَلْ قَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفَرْقَ بَيْنَ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ فِي نَفْسِ هَذَا التَّشَهُّدِ، وَقَد أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الحَقِيْقَةِ الصَّحَابيُّ الجَلِيْلُ ابْنُ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ (عَلَّمَنِي رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ:(التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ؛ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ؛ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ؛ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ) - وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا -، فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَامُ - يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -). رَوَاهُ البُخَارِيُّ [3] [4] ، وَكَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ شَأْنُهُ أَيْضًا: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُوْنَ} (المُؤْمِنُوْن:100) .

(1) صَحِيْحٌ لِغَيْرِهِ. الضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ فِي المُخْتَارَةِ (49/ 2) . قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (تَخْرِيْجُ أَحَادِيْثِ فَضَائِلِ الشَّامِ) (ص52) : (صَحِيْحٌ بِطُرُقِهِ وشَوَاهِدِهِ) .

(2) فَلَفْظَ الخِطَابِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَبَدًا أَنْ يَكُوْنَ المُخَاطَبُ سَامِعًا لِلنِّدَاءِ، بَلْ إِنَّ الجَمَادَاتِ قَدْ تُنَادَى، كَمَا فِي مُخَاطَبَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِلحَجَرِ الأَسْوَدِ فِي قَوْلِهِ (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (1597) .

وَمِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا هَاجَرَ فَخَاطَبَ مَكَّةَ قَائِلًا (وَاللهِ؛ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ) . صَحِيْحٌ. التِّرْمِذِيُّ (3925) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الحَمْرَاءِ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ الجَامِعِ (7089) .

وَكَمُخَاطَبَةِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِم: (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ) وَهُم فِي جَمِيْعِ المَسَاجِدِ؛ وَلَمْ يَكُنْ يَسْمَعُهُم وَيَرُدُّ عَلَيْهِم السَّلَامَ - وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ كَمَا لَا يَخْفَى -؛ وَلَكِنَّهَا عِبَادَةٌ يُتعَبَّدُ اللهُ تَعَالَى بِهَا - أَيْ: دُعَاءُ دُخُوْلِ المَقَابِرِ، وَالتَّشَهُّدُ -.

وِمِثْلُهُ حَدِيْثُ (مَنْ رَأَى مُبْتَلى، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيْ عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيْرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيْلًا؛ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلَاءُ) . صَحِيْحٌ. التِّرْمِذِيُّ (3432) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (602) .

قَالَ المُنَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (فَيْضُ القَدِيْرِ) (130/ 6) : (قَالَ العُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُوْلَ هَذَا الذِّكْرَ سِرًّا بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعْهُ المُبْتَلَى؛ إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ بَلِيَّتُهُ مَعْصِيَةً فَيُسْمِعُهُ - إِنْ لَمْ يَخَفْ مَفْسَدَةً -) .

(3) البُخَارِيُّ (6265) .

(4) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (314/ 2) : (كَذَا وَقَعَ فِي البُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيْحِهِ وَالسَّرَّاجُ وَالجَوْزَقِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ - شَيْخِ البُخَارِيِّ - فِيْهِ بِلَفْظِ(فَلَمَّا قُبِضَ؛ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ) بِحَذْفِ لَفْظِ (يَعْنِي) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ.

قَالَ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ عِنْدِ أَبِي عَوَانَةَ وَحْدَهُ: (إِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ الصَّحَابَةِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ الخِطَابَ فِي السَّلَامِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ وَاجِبٍ؛ فَيُقَالُ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ) . قُلْتُ: قَدْ صَحَّ بِلَا رَيْبٍ، وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ مُتَابِعًا قَوِيًّا، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ؛ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: (أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقُوْلُوْنَ - وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ - السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ) وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. وَأَمَّا مَا رَوَى سَعِيْدُ بْنُ مَنْصُوْرٍ مِنْ طَرِيْقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ عَنْ أَبِيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمُ التَّشَهُّد؛ فَذَكَرَهُ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (إِنَّمَا كُنَّا نَقُوْلُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ - إِذْ كَانَ حَيًّا! -) فَقَالَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ: (هَكَذَا عُلِّمْنَا! وَهَكَذَا نُعَلِّمُ) ، فَظَاهِرٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَه بَحْثًا وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُوْدٍ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي مَعْمَرٍ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ؛ وَالإِسْنَادُ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ ضَعِيْفٌ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت