-قَوْلُهُ (وَلَا تَغُلُّوا) : الغُلُوْلُ: أَنْ يَكْتُمَ المُجَاهِدُ شَيْئًا مِنَ الغَنِيْمَةِ فَيَخْتَصَّ بِهِ، وَهُوَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوْبِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ} (آل عِمْرَان:161) أَيْ: مُعَذَّبًا بِهِ.
-قَوْلُهُ (وَلَا تَغْدِرُوا) : وَهَذَا إِذَا عَاهَدْنَا، أَمَّا الغَدْرُ بِلَا عَهْدٍ فَجَائِزُ؛ لِأَنَّ (الحَرْبَ خَدْعَةٌ) كَمَا فِي الصَّحِيْحَيْنِ. [1]
-قَوْلُهُ (وَلَا تُمَثِّلُوا) : التَّمْثِيْلُ هُوَ التَّشْوِيْهُ بِقَطْعِ بَعْضِ الأَعْضَاءِ، وَلَا يَجُوْزُ إِلَّا إِنْ مَثَّلَ المُشْرِكُوْنَ بِالمُسْلِمِيْنَ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيْثُ العُرَنِيِّيْنَ. [2]
وَهَذَا يَكُوْنُ مِنْ بَابِ المُعَاقَبَةِ بِالمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِيْنَ} (البَقَرَة:194) .
-قَوْلُهُ (ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ) : أَكْثَرُ نُسَخِ مُسْلِمٍ عَلَى إِثْبَاتِ (ثُمَّ) ؛ وَالصَّوَابُ إِسْقَاطُهَا كَمَا فِي غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ، وَلِأَنَّ الدَّعْوَةَ هِيَ إِحْدَى الخِصَالِ الثَّلَاثِ. [3]
-قَوْلُهُ (إِلى دَارِ المُهَاجِرِيْنَ) : المُرَادُ بِهِ تَحَوُّلُ أَهْلِ البَوَادِي الَّذِيْنَ أَسْلَمُوا إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، وَفِي ذَلِكَ الوَقْتِ كَانَتِ الدَّارُ هِيَ المَدِيْنَةُ النَّبَوِيَّةُ.
-قَوْلُهُ (فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِيْنَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِيْنَ) : فَلَهُمْ مَا لِلمُهَاجِرِيْنَ مِنَ الغَنِيْمَةِ وَالفَيْءِ، وَعَلَيْهِم مَا عَلَيْهِم مِنَ الجِهَادِ وَالنُّصْرَةِ.
(1) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (3030) ، وَمُسْلِمٌ (1739) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوْعًا.
(2) وَلَفْظُهُ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِيْنَةَ، فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ؛ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا) ، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ، وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي الحَرَّةِ، حَتَّى مَاتُوا). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (233) ، وَمُسْلِمٌ (1671) .
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ أَنَسُ: (إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ أُولَئِكَ، لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ) .
وَ (عُرَيْنَةُ) : حَيٌّ مِنْ بُجَيْلَةَ مِنْ قَحْطَانَ.
وَ (فَاجْتَوَوْهَا) : مَعْنَاهُ اسْتَوْخَمُوْهَا؛ وَلَمْ تُوَافِقْهُم لِسَقَمٍ أَصَابَهُم.
وَ (سَمَلَ أَعْيُنَهُم) : فَقَأَهَا.
(3) قَالَهُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في كِتَابِهِ (المُفْهِمِ بِشَرْحِ مُسْلِمٍ) (513/ 3) .