-قَوْلُهُ (خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) : مَفَادُهُ التَّأْكِيْدُ عَلَى أَنَّ الخَيْرَ وَالشَّرَّ كِلَاهُمَا مَخْلُوْقَانِ مُقَدَّرَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
-قَوْلُهُ (حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ) : أَيْ: أَنَّ مَا قَدَّرَ اللهُ أَنْ يُصِيْبَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ مَهْمَا عَمِلْتَ مِنْ أَسْبَابٍ؛ فَإِنَّ قَدَرَ اللهِ تَعَالَى وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ.
-قَوْلُهُ (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَم) : القَلَمُ بِالرَّفْعِ [1] ، وَرُويَ بِالنَّصْبِ [2] . وَعَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ يَكُوْنُ المَعْنَى: أَنَّ أَوَّلَ مَخْلُوْقٍ هُوَ القَلَمُ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ يَكُوْنُ المَعْنَى: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ القَلَمَ أَنْ يَكْتُبَ عِنْدَ أَوَّلِ خَلْقِهِ لَهُ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-قَوْلُهُ (إلى يَوْمِ القِيَامَةِ) : هُوَ يَوْمُ البَعْثِ، وَسُمِّيَ يَوْمَ القِيَامَةِ; لِقِيَامِ أُمُوْرٍ ثَلَاثَةٍ فِيْهِ:
1)قِيَامُ النَّاسِ مِنْ قُبُوْرِهِم لِرَبِّ العَالَمِيْنَ; كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِيَوْمٍ عَظِيْمٍ يَوْمَ يَقُوْمُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِيْنَ} (المُطَفِّفِيْن:6) .
2)قِيَامُ الأَشْهَادِ الَّذِيْنَ يَشْهَدُوْنَ لِلرُّسُلِ وَعَلَى الأُمَمِ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِيْنَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُوْمُ الأَشْهَادُ} (غَافِر:51) .
3)قِيَامُ العَدْلِ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَنَضَعُ المَوَازِيْنَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ} (الأَنْبِيَاء:47) .
- (ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ) : هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ فَيْرُوْز الدَّيْلَمِيُّ؛ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِيْنَ، وَأَبُوْهُ فَيْرُوْزُ هُوَ قَاتِلُ الأَسْوَدِ العَنَسِيِّ الكَذَّابِ.
-قَوْلُهُ (وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا; لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) : جَزَمَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ; لَأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ القَدَرَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَالكَافِرُ يَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الَّذِيْنَ هُمْ أهْلُهَا المُخَلَّدُوْنَ فِيْهَا.
وَلَكِنْ هَلْ هَذَا الدَّوَاءُ يُفِيْدُ مَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرُ القَدَرِ؟
الجَوَابُ: نَعَمْ يُفِيْدُ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ بِاللهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مُنْتَهَى مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالقَدَرِ - عَلَى نَحْوِ مَا وُصِفَ - هُوَ هَذَا; فَلَا بُدَّ أَنْ يَرْتَدِعَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ عَلَى مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا نُسِبَ الأَمْرُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ; زَالَتِ الشُّبْهَةُ تَمَامًا، لَكِنْ تَزُوْلُ عَنِ المُؤْمِنِ، أَمّا غَيْرُ المَؤْمِنِ; فَلَا تَنْفَعُهُ; فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُوْلُ: {وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُوْنَ} (يُوْنُس:101) .
-فِي حَدِيْثِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ بَيَانُ جَوَازِ سُؤَالِ أَكْثَرِ مِنْ عَالِمٍ لِلتَّثَبُّتِ, أَمَّا سُؤَالُ أَكْثَرِ مِنْ عَالِمٍ لِتَتَبُّعِ الرُّخَصِ؛ فَهَذَا لَا يَجُوْزُ. [3]
-قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي حَدِيْثِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ: (لَوْ أَنَّ اللهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ؛ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ؛ كَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيْرًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ) [4] ، وَالمَعْنَى أَنَّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَأَهْلَ الأَرْضِ لَا يَسْتَطِيْعُوْنَ أَنْ يَقُوْمُوا بِحُقُوْقِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا الوَاجِبَةِ لَهُ، فَلَوْ عَذَّبَهُم لَعَذَّبَهُم عَلَى تَرْكِ الحَقِّ، وَلَوْ رَحِمَهُم لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِم لَهَا، فَاللهُ تَعَالَى جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَقًا لَهُم؛ وَلَكِنَّهُ حَقُّ تَفَضُّلٍ وَلَيْسَ حَقَ مُقَابَلَةٍ. [5]
(1) عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ خَبَرُ إِنَّ؛ وَيَكُوْنُ بِذَلِكَ نَصًّا فِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَخْلُوْقٍ.
(2) عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ مَفْعُوْلٌ بِهِ لِفِعْلِ خَلَقَ، وَيَكُوْنُ خَبَرُ إِنَّ هُوَ جُمْلَةُ (فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ) ، وَعَلَى هَذَا تَكُوْنُ الأَوَّلِيَّةُ فِي الحَدِيْثِ بِاعْتِبَارِ خَلْقِ القَلَمِ، وَلَيْسِ لِعُمُوْمِ الخَلْقِ.
(3) قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (إِغَاثَةُ اللهْفَانِ) (228/ 1) : (وَمَنْ تَتَبَّعَ مَا اخْتَلَفَ فِيْهِ العُلَمَاءُ وَأَخَذَ بِالرُّخَصِ مِنْ أَقَاوِيْلِهِم تَزَنْدَقَ، أَوْ كَادَ) .
(4) أَحْمَدُ (21611) عَنْهُ مَرْفُوْعًا.، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ شُعَيْبُ الأَرْنَؤُوْط فِي تَحْقِيْقِ المُسْنَدِ.
(5) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ جَزَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} (النَّبَأ:36) .
وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {فَأَمَّا الَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيْهِمْ أُجُوْرَهُمْ وَيَزِيْدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} (النِّسَاء:173) .