-لَا يَقَعُ الكُفْرُ الأَكْبَرُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنَ الإِسَاءَةِ لِلشَّرِيْعَةِ إِنْ كَانَ غَيرَ قَاصِدٍ لِمَا يَقُوْلُ، وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ:
1) (قَالَ عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ [1] ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُوْمُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ [2] ؛ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ؛ ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيْدٌ لِأَبِي؟! فَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ) . [3]
2) (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ - حِيْنَ يَتُوْبُ إِلَيْهِ - مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ - وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ - فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا - قَائِمَةً عِنْدَهُ - فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ - مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ) . [4] [5]
-قَوْلُهُ (وَالحِجَارَةُ تَنْكُبُ رِجلَيْهِ) : أَيْ: يَمْشِي وَالحِجَارَةُ تَضْرُبُ رِجلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ يَمْشِي بِسُرْعَةٍ؛ وَلَكِنَّهُ لَا يُحِسُّ فِي تِلْكَ الحَالِ; لِأَنَّهُ يُرِيْدُ أَنْ يَعْتَذِرَ.
(1) شَارِفَيَّ: تَثْنِيَةُ شَارِفٍ: وَهوَ المُسِنُّ مِنَ الإِبِلِ.
(2) ثَمِلَ: أَيْ: قَد أَخَذَهُ الشَّرَابُ.
(3) البُخَارِيُّ (45/ 7) ، وَهَذَا اللَّفْظُ مِنْهُ مُعَلَّقٌ، وَعُنْوَانُ البَابِ: (بَابُ الطَّلَاقِ فِي الإِغْلَاقِ وَالكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالمَجْنُوْنِ وَأَمْرِهِمَا وَالغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ) .
(4) صَحِيْحُ (2747) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوْعًا.
(5) قَالَ الحَافِظُ زَيْنُ الدِّيْنِ العِرَاقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (طَرْحُ التَّثْرِيْبِ) (20/ 2) : (فَائِدَةٌ: مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى كَلِمَةِ الكُفْرِ:(الثَّالِثَةُ وَالأَرْبَعُوْنَ) فِيْهِ حُجَّةٌ عَلَى بَعْضِ المَالِكِيَّةِ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَدِيْنُوْنَ مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى كَلِمَةِ الكُفْرِ - إذَا ادَّعَى ذَلِكَ - وَخَالَفَهُمُ الجُمْهُوْرُ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيْحِهِ مِنْ حَدِيْثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِيْ ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ؛ ثُمَّ وَجَدَهَا فَقَالَ - مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّك. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ) . وَاَلَّذِي جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الحُكَّامِ الحُذَّاقِ مِنْهُمْ اعْتِبَارُ حَالِ الوَاقِعِ مِنْهُ ذَلِكَ، فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَعُرِفَ مِنْهُ وُقُوْعُهُ فِي المُخَالَفَاتِ وَقِلَّةِ المُبَالَاةِ بِأَمْرِ الدِّيْنِ؛ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى دَعْوَاهُ، وَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلْتَةً وَعُرِفَ بِالصِّيَانَةِ وَالتَّحَفُّظِ قَبِلُوا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ تَوَسُّطٌ حَسَنٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ).