فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 634

-المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) كَيْفَ يَصِحُّ القَولُ بِأَنَّ ابْنَ آدَمَ يُؤْذِي اللهَ تَعَالَى؛ مَعَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ العَالَمِيْنَ سُبْحَانَهُ؟

الجَوَابُ: لَا يَلْزَمُ مِنَ الأَذِيَّةِ الضَّرَرُ، فَالإِنْسَانُ يَتَأَذَّى بِسَمَاعِ القَبِيْحِ أَوْ مُشَاهَدَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ، وَأَيْضًا يَتَأَذَّى بِالرَّائِحَةِ الكَرِيْهَةِ كَالبَصَلِ وَالثُّوْمِ وَلَا يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا أَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى الأَذِيَّةَ فِي القُرْآنِ وَنَفَى الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِيْنَ يُؤْذُوْنَ اللهَ وَرَسُوْلَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِيْنًا} (الأَحْزَاب:57) ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى قَالَ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِيْنَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالأِيْمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ) (آل عِمْرَان:177) .

وَأَيْضًا أَثْبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ الأَذِيَّةَ للهِ كَمَا فِي حَدِيْثِ البَابِ [1] ، وَأَخْبَرَ أَيْضًا عَنْ نَفْي الضَّرَرِ عَنْهُ تَعَالَى كَمَا فِي الحَدِيْثِ القُدُسيِّ (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّوْنِي) . [2]

وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذَىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوْكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُوْنَ} (آل عِمْرَان:111) . [3]

قَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي التَّفْسِيْرِ [4] : (فَلَيسَ عَلَى المُؤْمِنِيْنَ مِنْهُم ضَرَرٌ فِي أَدْيَانِهِم وَلَا أَبْدَانِهِم، وَإنَّمَا غَايَةُ مَا يَصِلُوْنَ إِلَيْهِ مِنَ الأَذَى؛ أَذِيَّةُ الكَلَامِ الَّتِيْ لَا سَبِيْلَ إِلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا مِنْ كُلِّ مُعَادِي) .

(1) وَكَحَدِيْثِ (لَيْسَ أَحَدٌ - أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ - أَصْبَرَ عَلَى أَذَىً سَمِعَهُ مِنَ اللهِ؛ إِنَّهُمْ لَيَدَّعُوْنَ لَهُ وَلَدًا - وَإِنَّهُ لَيُعَافِيْهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ -) . رَوَاهُ البُخَارِيُّ (6099) ، وَمُسْلِمٌ (2804) عَنْ أَبِي مُوْسَى مَرْفُوْعًا.

(2) مُسْلِمٌ (2577) عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوْعًا.

(3) قُلْتُ: وَكَمَا جَاءَ عَنِ الأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيتُ أَعْرَابِيَّةً فِي الفَلَاةِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ تَصْبِرُوْنَ عَلَى الحَرِّ وَالبَرْدِ؟ أَمَا يَضُرُّكُم الحَرُّ وَالبَرْدُ؟ فَقَالَتْ: لَا سَوَاءَ؛ أَمَّا الحَرُّ فَهُوَ أَذَىً، وَإِنَّمَا الَّذِيْ يَضُرُّ هُوَ البَرْدُ. مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيْخِ الغُنَيْمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيْدِ) ، شَرِيْطُ رَقَم (56) ، شَرْحُ بَابِ (قَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّكَ لَا تَهْدِيْ مَنْ أَحْبَبْتَ} ) .

(4) (ص143) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت