-قَوْلُهُ (لَا تَقُوْلُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ؛ وَلَكِنْ قُوْلُوا مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ) : فِيْهِ بَيَانُ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى مَنْ سَدَّ بَابًا مُحَرَّمًا أَنْ يَفْتَحَ لَهُم بَابًا مُبَاحًا. [1]
-فِي الحَدِيْثِ قَبُوْلُ الحَقِّ أَيْنَمَا كَانَ، كَمَا فِي الأَثَرِ عَنْ يَزِيْدَ بْنَ عُمَيْرَةَ؛ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ: (وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الحَكِيْمِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُوْلُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الحَكِيْمِ، وَقَدْ يَقُوْلُ المُنَافِقُ كَلِمَةَ الحَقِّ) ، قَالَ: قُلْتُ لِمُعَاذٍ: مَا يُدْرِيْنِي - رَحِمَكَ اللهُ - أَنَّ الحَكِيْمَ قَدْ يَقُوْلُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ؛ وَأَنَّ المُنَافِقَ قَدْ يَقُوْلُ كَلِمَةَ الحَقِّ؟ قَالَ: (بَلَى؛ اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الحَكِيْمِ المُشْتَهِرَاتِ [2] - الَّتِيْ يُقَالُ لَهَا: مَا هَذِهِ؟ - وَلَا يُثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فَإِنَّ عَلَى الحَقِّ نُوْرًا) . [3]
-فِي لَفْظِ أَحْمَدَ (كَانَ يَمْنُعُنِي الحَيَاءُ مِنْكُمْ) [4] : حَيَاؤُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُم لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الحَيَاءِ مِنَ الإِنْكَارِ عَلَيْهِم؛ بَلْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُهَا؛ وَلَكِنَّهُ يَستَحْيِي أَنْ يَذْكُرَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِإِنْكَارِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الأَمْرُ الإِلَهِيُّ بِالرُّؤيَا الصَّالِحَةِ أَنْكَرَهَا وَلَم يَستَحْي فِي ذَلكَ.
-هَذِهِ المَسَائِلُ لَيْسَتْ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَإِنَّمَا مِنَ الأَصْغَرِ - كَمَا قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ فِي مَسَائِلِهِ - وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الحَدِيْثِ (وَإِنَّكُمْ قُلْتُمْ كَلِمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا) وَتَحْرِيْمُ الشِّرْكِ فِي الأَلْفَاظِ أَتَى بِالتَّدْرِيْجِ فِي تَارِيْخِ بَعْثَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ وَتَبْلِيْغِهِ أُمَّتَهُ بِالأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، أَمَّا الشِّرْكُ الأَكْبَرُ - الجَلِيُّ - فَقَدْ نَفَاهُ مِنْ أَوَّلِ الرِّسَالَةِ.
وَهَذَا فِيْهِ بَيَانٌ لِفِقْهِ الدَّعْوَةِ فِي تَبْلِيْغِ الأَهَمِّ فَالأَهَمِّ، وَفِيْهِ بَيَانُ فِقْهِ الدَّاعِيَةِ؛ أَنَّه يَنْبَغِي عِنْدَ تَغْيِيْرِ الشَّيْءِ أَنْ يُغَيِّرَ إِلَى شَيْءٍ قَرِيْبٍ مِنْهُ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُنَا (الكَعْبَة - رَبِّ الكَعْبَة) وَ (وَشِئْتَ - ثُمَّ شِئْتَ) .
-قَوْلُ (مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ) : أَكْمَلُ فِي الإِخْلَاصِ وَأَبْعَدُ عَنِ الشِّرْكِ مِنْ أَنْ يَقُوْلَ: (ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ) ؛ وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا.
(1) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لَا تَقُوْلُوا رَاعِنَا وَقُوْلُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِيْنَ عَذَابٌ أَلِيْمٌ} (البَقَرَة:104) .
(2) قَالَ أَبُو دَاوُد رَحِمَهُ اللهُ في سُنَنِهِ (202/ 4) : وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا (المُشَبَّهَاتِ) مَكَانَ (المُشْتَهِرَاتِ) .
قَالَ صَاحِبُ (عَوْنُ المَعْبُوْدِ بِشَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُد) (238/ 12) : (أَيِ الكَلِمَاتِ المُشْتَهِرَاتِ بِالبُطْلَانِ،(الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مَا هَذِهِ؟) أَيْ: يَقُوْلُ النَّاسُ - إِنْكَارًا - فِي شَأْنِ تِلْكَ المُشْتَهِرَاتِ: مَا هَذِهِ؟ (وَلَا يُنْئِيَنَّكَ) أَيْ: لَا يَصْرِفَنَّكَ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، (ذَلِكَ) المَذْكُوْرُ مِنْ مُشْتَهِرَاتِ الحَكِيْمِ، (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الحَكِيْمِ، (فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ) أَيِ الحَكِيْمُ، (أَنْ يُرَاجِعَ) أَيْ: يَرْجِعَ عَنِ المُشْتَهِرَاتِ).
(3) صَحِيْحٌ مَوْقُوْفٌ. أَبُو دَاوُدَ (4611) . صَحِيْحُ أَبِي دَاوُدَ (4611) .
وَأَمَّا حَدِيْثُ (الكَلِمَةُ الحِكْمَةُ؛ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ) . فَهُوَ ضَعِيْفٌ جِدًّا. ابْنُ مَاجَه (4169) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا. ضَعِيْفُ الجَامِعِ (4301،4302) .
(4) صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (20694) عَنْ طُفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (138) .