{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى} يَنْصَحَاهُ، وَ {يَقُوْلَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} أَيْ: لَا تَتَعَلَّمِ السِّحْرَ فَإِنَّهُ كُفْرٌ، فَيَنْهَيَانِهِ عَنِ السِّحْرِ، وَيُخْبِرَانِهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ، فَتَعْلِيْمُ الشَّيَاطِيْنِ لِلسِّحْرِ عَلَى وَجْهِ التَّدْلِيْسِ وَالإِضْلَالِ، وَنِسْبَتُهُ وَتَرْويجُهُ إِلَى مَنْ بَرَّأَهُ اللهُ مِنْهُ - وَهُوَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ - (هُوَ أَيْضًا عَلَى وَجْهِ الإِضْلَالِ) [1] ، وَتَعْلِيْمُ المَلَكَيْنِ امْتِحَانًا مَعَ نُصْحِهِمَا لِئَلَّا يَكُوْنَ لَهُم حُجَّةٌ. [2]
فَهَؤُلْاءِ اليَهُوْدُ يَتَّبِعُونَ السِّحْرَ الَّذِيْ تُعَلِّمُهُ الشَّيَاطِيْنُ وَالسِّحْرَ الَّذِيْ يُعَلِّمُهُ المَلَكَانِ، فَتَرَكُوا عِلْمَ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِيْنَ وَأَقْبَلُوا عَلَى عِلْمِ الشَّيَاطِيْنِ، وَكُلٌّ يَصْبُو إِلَى مَا يُنَاسِبُهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَفَاسِدَ السِّحْرِ فَقَالَ: {فَيَتَعَلَّمُوْنَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُوْنَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ} مَعَ أَنَّ مَحَبَّةَ الزَّوْجَيْنِ لَا تُقَاسُ بِمَحَبَّةِ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ اللهَ قَالَ فِي حَقِّهِمَا: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الرُّوْم:21) وَفِي هَذَا دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيْقَةٌ، وَأَنَّهُ يَضُرُّ بِإِذْنِ اللهِ، أَيْ: بِإِرَادَةِ اللهِ، وَالإِذْنُ نَوْعَانِ: إِذْنٌ قَدَرِيٌّ؛ وَهُوَ المُتَعَلِّقُ بَمَشِيْئَةِ اللهِ، كَمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَإِذْنٌ شَرْعِيٌّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ: {فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ} [3]
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا؛ أَنَّ الأَسْبَابَ مَهْمَا بَلَغَتْ فِي قُوَّةِ التَّأْثِيْرِ، فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلقَضَاءِ وَالقَدَرِ؛ لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً فِي التَّأْثِيْرِ. [4]
ثُمَّ ذَكرَ أَنَّ عِلْمَ السِّحْرِ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ، لَيْسَ فِيْهِ مَنْفَعَةٌ لَا دِيْنِيَّةٌ وَلَا دُنْيَوِيَّةٌ؛ كَمَا يُوْجَدُ بَعْضُ المَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِي بَعْضِ المَعَاصِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ: {قُلْ فِيْهِمَا إِثْمٌ كَبِيْرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} (البَقَرَة:219) فَهَذَا السِّحْرُ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ، فَلَيْسَ لَهُ دَاعٍ أَصْلًا فَالمَنْهِيَّاتُ كُلُّهَا إِمَّا مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ، أَوْ شَرُّهَا أَكْبَرُ مِنْ خَيْرِهَا، كَمَا أَنَّ المَأْمُورَاتِ إِمَّا مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ أَوْ خَيْرُهَا أَكْثَرُ مِنْ شَرِّهَا.
{وَلَقَدْ عَلِمُوا} أَيْ اليَهُوْدُ {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} أَيْ: رَغِبَ فِي السِّحْرِ رَغْبَةَ المُشْتَرِي فِي السِّلْعَةِ {مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} أَيْ: نَصِيْبٍ، بَلْ هُوَ مُوْجِبٌ لِلعُقُوْبَةِ، فَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُم إِيَّاهُ جَهْلًا وَلَكِنَّهُم اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ.
{وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُوْنَ} عِلْمًا يُثْمِرُ العَمَلَ مَا فَعَلُوْهُ.
(1) زِيَادَةٌ مِنِّي لَيْسَتْ فِي الأَصْلِ كَيْ يَسْتَقِيْمَ الكَلَامُ.
(2) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {فَأَلْهَمَهَا فُجُوْرَهَا وَتَقْوَاهَا} (الشَّمْس:8) . قَالَ ابْنُ جَرِيْرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي التَّفْسِيْرِ (454/ 24) : (فَبَيَّنَ لَهَا مَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَأْتِيَ أَو تَذَرَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ أَوْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ) .
قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ فِي مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى (99/ 15) : (كَذَلِكَ قَدْ قِيْلَ فِي قَوْلِهِ {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البَلَد:10) : أَيْ: بَيَّنَا لَهُ طَرِيْقَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ؛ وَهُوَ هُدَى البَيَانِ العَامِّ المُشْتَرَكِ. وَقِيلَ: هَدَيْنَا المُؤْمِنَ لِطَرِيْقِ الخَيْرِ وَالكَافِرَ لِطَرِيْقِ الشَّرِّ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُوْنُ قَدْ جَعَلَ الفُجُوْرَ هُدَى كَمَا جَعَلَ أُوْلَئِكَ البَيَانَ إلْهَامًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ {إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيْلَ إمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُوْرًا} (الإِنْسَان:3) قِيْلَ: هُوَ الهُدَى المُشْتَرَكُ؛ وَهُوَ أَنَّهُ بَيَّنَ لَهُ الطَّرِيقَ الَّتِيْ يَجِبُ سُلُوْكُهَا وَالطَّرِيقَ الَّتِيْ لَا يَجِبُ سُلُوْكُهَا. وَقِيلَ: بَلْ هَدَى كُلًّا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ إلَى مَا سَلَكَهُ مِنَ السَّبِيْلِ {إمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُوْرًا} ).
(3) قُلْتُ: وَهِيَ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ عِنْدِي فِي كَوْنِهَا مِنَ الإِذْنِ الشَّرْعِيِّ - الَّذِيْ قَدْ يَقَعُ وَقَدْ يَتَخَلَّفُ -، وَيُغْنِي عَنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّيْنِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِيْنَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ} (الشُّوْرَى:21) . فَالإِذْنُ هُنَا هُوَ الأَمْرُ بِالشَّرْعِ؛ فَمِنَ النَّاسِ مُطِيْعٌ وَمِنْهُ عَاصٍّ.
(4) حَيْثُ جُعِلَتْ مُقَيَّدَةً بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.