-إِنَّ هَذَا الفَضْلَ العَظِيْمَ لِكَلِمَةِ التَّوْحِيْدِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَوِيَتْ فِي قَلْبِهِ وَأَتَى بِكَمَالِهَا [1] ، وَهَذِهِ القُوَّةُ هِيَ الَّتِيْ تَحْرِقُ مَا يُقَابِلُهَا مِنَ الذُّنُوْبِ [2] ، كَمَا فِي الحَدِيْثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ؛ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوْسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِيْنَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُوْلُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُوْنَ؟ فَيَقُوْلُ: لاَ يَا رَبِّ، فَيَقُوْلُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُوْلُ: لاَ يَا رَبِّ، فَيَقُوْلُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لاَ ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، فَيَقُوْلُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَّتِ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لاَ تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلاَّتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلاَ يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللهِ شَيْءٌ) . [3]
-قَوْلُهُ (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) : تَشْمَلُ أَنْوَاعَ التَّوْحِيْدِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ: تَوْحِيْدُ الرُّبُوْبِيَّةِ، وَتَوْحِيْدُ الأُلُوْهِيَّةِ وَتَوْحِيْدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
-شَهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ تَسْتَلْزِمُ أُمُوْرًا؛ مِنْهَا:
1)تَصْدِيْقُهُ فِيْمَا أَخْبَرَ - إِذَا ثَبَتَتْ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ -.
2)امْتِثَالُ أَمْرِهِ دُوْنَ تَرَدُّدٍ.
وَمِنَ التَّرَدُّدِ المَذْمُوْمِ التَّوَقُّفُ عَنِ الامْتِثَالِ وَالتَّطْبِيْقِ إِلَى أَنْ يُعْلَمَ هَلِ الأَمْرُ لِلوُجُوْبِ أَمْ لِلاسْتِحْبَابِ! وَأَيْضًا التَّوَقُّفُ عَنِ الامْتِثَالِ حَتَّى يُعْلَمَ مَا مَوْقِفُ المَذْهَبِ الفُلَانِيِّ مِنْهُ!
3)اجْتِنَابُ نَهْيِهِ دُوْنَ تَرَدُّدٍ، وَالحَذَرُ مِنْ قَوْلِ (هَذَا لَيْسَ فِي القُرْآنِ) ! لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيْكَتِهِ؛ يَأْتِيْهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي - مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ وَنَهَيْتُ عَنْهُ - فَيَقُوْلُ: لَا نَدْرِي، وَمَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ) . [4]
4)أَنْ لَا يُقدِّمَ قَوْلَ أَحَدٍ مِنَ البَشَرِ عَلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (مِنْ هَهُنَا تَرِدُوْنَ، نَجِيئُكُمْ بِرَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَجِيئُوْنَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) . [5]
5)أَنْ لَا يَبْتَدِعَ فِي شَرْعِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (الاعْتِصَامُ) عَنْ مَالِكٍ قَوْلَهُ: (مَنِ ابْتَدَعَ فِي الإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً؛ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُوْلُ: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ} (المَائِدَة:3) ، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِيْنًا، فَلَا يَكُوْنُ اليَوْمَ دِيْنًا). [6]
6)أَنْ لَا يَغْلَوَ فِيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُعْطِيَهُ مِنْ صِفَاتِ الرُّبُوْبِيَّة شَيْءٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُ: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ} (الأَعْرَاف:188) . [7]
-قَوْلُهُ (لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا) : (شَيْئًا) نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي تُفِيْدُ العُمُوْمَ؛ أَيْ: لَا شِرْكًا أَصْغَرًا وَلَا أَكْبَرًا.
(1) قُلْتُ: وَهُوَ الكَمَالُ الوَاجِبُ.
(2) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (جَامِعُ العُلُوْمِ وَالحِكَمِ) (417/ 2) - عِنْدَ شَرْحِ الحَدِيْثِ الثَّانِي وَالأَرْبَعِيْنَ: (مَنْ جَاءَ مَعَ التَّوْحِيْدِ بِقُرَابِ الأَرْضِ - وَهُوَ مِلْؤُهَا أَوْ مَا يُقَارِبُ مِلْأَهَا - خَطَايَا، لَقِيَهُ اللهُ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً، لَكِنْ هَذَا مَعَ مَشِيْئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِذُنُوْبِهِ، ثُمَّ كَانَ عَاقِبَتُهُ أَنْ لَا يُخَلَّدَ فِي النَّارِ، بَلْ يَخْرُجُ مِنْهَا، ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: المُوَحِّدُ لَا يُلْقَى فِي النَّارِ كَمَا يُلْقَى الكُفَّارُ، وَلَا يَلْقَى فِيْهَا مَا يَلْقَى الكُفَّارُ، وَلَا يَبْقَى فِيْهَا كَمَا يَبْقَى الكُفَّارُ، فَإِنْ كَمُلَ تَوْحِيْدُ العَبْدِ وَإِخْلَاصُهُ لِلَّهِ فِيْهِ، وَقَامَ بِشُرُوْطِهِ كُلِّهَا بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ، أَوْ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ عِنْدَ المَوْتِ؛ أَوْجَبَ ذَلِكَ مَغْفِرَةَ مَا سَلَفَ مِنَ الذُّنُوْبِ كُلِّهَا، وَمَنَعَهُ مِنْ دُخُوْلِ النَّارِ بِالكُلِّيَّةِ، فَمَنْ تَحَقَّقَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيْدِ قَلْبُهُ؛ أَخْرَجَتْ مِنْهُ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا وَمَهَابَةً وَخَشْيَةً وَرَجَاءً وَتَوَكُّلًا، وَحِيْنَئِذٍ تُحْرَقُ ذُنُوْبُهُ وَخَطَايَاهُ كُلُّهَا - وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ -، وَرُبَّمَا قَلَبَتْهَا حَسَنَاتٍ - كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي تَبْدِيلِ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ -، فَإِنَّ هَذَا التَّوْحِيْدَ هُوَ الإِكْسِيْرُ الأَعْظَمُ، فَلَوْ وُضِعَتْ مِنْهُ ذَرَّةٌ عَلَى جِبَالِ الذُّنُوْبِ وَالخَطَايَا، لَقَلَبَهَا حَسَنَاتٍ) .
(3) صَحِيْحٌ. التِّرْمِذِيُّ (2639) . الصَّحِيْحَةُ (135) .
(4) صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (23876) عَنِ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ الجَامِعِ (7172) .
(5) صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (3121) ، وَلَفْظُهُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: تَمَتَّعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُوْلُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ: يَقُوْلُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُوْنَ؛ أَقُوْلُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَيَقُوْلُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) . قَالَ الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (التَّمْهِيْدُ) (ص417) : (بِإِسْنَادٍ صَحَيْحٍ) .
وَأَوْرَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (المَطَالِبُ العَالِيَةُ) (96/ 7) وَقَالَ: (( قَالَ إِسْحَاقُ: نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوْبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ:(وَيحَكَ أَضَلَلْتَ! تَأْمُرُنَا بِالعُمْرَةِ فِي العَشْرِ وَلَيْسَ فِيْهِنَّ عُمْرَةٌ!) فَقَالَ: (يَا عُرَيُّ فَسَلْ أُمَّكَ) . قَالَ: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ يَقُوْلَا ذَلِكَ؛ وَكَانَا أَعْلَمَ بِرَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتْبَعَ لَهُ مِنْكَ) . فَقَالَ: (مِنْ هَهُنَا تَرِدُوْنَ؛ نَجِيْئُكُمْ بِرَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَجِيْئُوْنَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) . سَنَدُهُ صَحِيْحٌ، وَبَعْضُهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالعُمْرَةِ فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ).
قُلْتُ: وَإِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهَوِيْه فِي مُسْنَدِهِ.
(6) الاعْتِصَامُ (64/ 1) .
(7) لَمْ نَتَعَرَّضْ لِمَا تَسْتَلْزِمُهُ (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بِخُصُوْصِهَا؛ لِأَنَّ كِتَابَ التَّوْحِيْدِ هَذَا - إِجْمَالًا - قَائِمٌ عَلَى بَيَانِهَا وَتَوْضِيْحِهَا.