اتفق العلماء على وجوب الدعوة، واختلفوا في نوعية الوجوب، هل هو على التعيين، أم على الكفاية؟ وتوسع كل طرف في الاستدلال على قوله بالنصوص الشرعية والأدلة العقلية، مما قد يُشْعِر المُطَّلع على هذا الخلاف والاستدلال بالبعد بين القولين، والأثر الكبير لهما في جانب العمل، والذي رأيته بعد متابعة القولين وأدلتهما أن الخلاف بينهما أشبه بالخلاف النظري، وتضييقُ الممسافة بينهما في الجانب العملي.
وقبل أن أقرر هذه النتيجة، لا بد من إلمامة مجملة بأصل الخلاف في المسألة مع الاستدلال عليها، فأقول:
استدل العلماء القائلون بالوجوب العيني بأدلة، منها:
1 -بأن لفظة"مِنْ"في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] هي: للبيان والتبيين، وليست للتبعيض، وذلك بقرينة الأدلة الأخرى التالية، فتفيد هذه الآية عندهم توجيه الخطاب بالدعوة إلى جميع المكلفين، فتكون الدعوة واجبة على كل فرد مسلم بقدر استطاعته (1) .
(1) راجع هذا المعنى في كل من تفسير ابن كثير (2/ 195 - 196) ، وتفسير الرازي (7/ 177 - 178) ، وتفسير القرطبي (4/ 165) وغيرها.