وافٍ بالأحكام الشرعية العملية، لتسلم له عقيدته وشريعته من جهة، ويكونَ على بصيرة بما يدعو إليه من جهة أخرى، وإلا كانت دعوته إلى ضلال، وعمله في غير هدى، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] .
ومن هنا يَتَبيّن لنا: أن اختلاف الأقسام العلمية في ترتيب أولوياتها، وفي تقديم مادة علمية على غيرها، إنما يعود إلى واقع تخصصها وطبيعة ميدانها فحسب، ولا صلة له بتفضيل علم على علم أو ترجيح تخصص على غيره، بل لا بد لكل قسم من هذه الأقسام أن يُقَدِّم للدارسين فيه الحد الأدنى الكافي من العلوم الأخرى، وإن لم تكن من تخصصه في الأصل ...
ويمكنني أن أضرب مثلا حسيًّا يبرز لنا صلة هذه الاختصاصات العلمية بعضها ببعض، ويكشف لنا عن مدى الترابط بينها:
فإن مثل الملة والشريعة والمنهج، مثل الماء الصافي الذي ينبع من مكان معين، ثم يمشي في جداول وسواقي يروي الأرض، وينبت الزرع، ويستقي منه الناس ..
فأصل النبع ومكانه يمثل (الملة الواحدة الثابتة) ، والماء المتدفق الجاري الذي يروي الأرض وينبت الزرع وييستقي منه الناس، يمثل (الشريعة الكاملة المستمرة .. ) والجداولُ والسواقي المنتشرة هنا وهناك، التي يجري الماء في إطارها، ويتمكن الناس بسببها من الاستفادة من الماء